صادف العام الماضي الذكرى الثمانين لانتصار حرب الشعب الصيني ضد العدوان الياباني والحرب العالمية ضد الفاشية، وكان من المفترض أن تُعيد اليابان، بصفتها دولة مهزومة في الحرب العالمية الثانية، النظر بعمق في جرائم الحرب التي ارتكبتها نزعتها العسكرية. لكن على العكس من ذلك، شاهدنا بعض الشخصيات والقوى في اليابان لا يكتفون بمحاولة التستر على الجرائم وتمجيدها وتبريرها، بل سعوا أيضا إلى إحياء النزعة العسكرية.
هذا السلوك الذي يُخالف الفهم التاريخي للمجتمع الدولي، يُشكل انتهاكا خطيرا للإجماع الدولي والضمير الإنساني، ويُهدد السلام والاستقرار الإقليمي والعالمي، ويُمثل تحديا جسيما للنظام الدولي ما بعد الحرب.
في أوائل نوفمبر من العام الماضي، صرّحت رئيسة الوزراء اليابانية، سنا تاكايتشي، علنا خلال جلسة برلمانية بأن إذا حدثت "حالة طوارئ في تايوان" في تايوان، قد يشكل ذلك "أزمة حياة أو موت" لليايان، ويدفعها لممارسة حقها في الدفاع الجماعي عن النفس.
هذه المرة الأولى منذ هزيمة اليابان عام 1945 التي يتبنى فيها زعيم ياباني رسميا فكرة أن "حالة طوارئ في تايوان يعني الاعتداء على اليابان "، ويربطها بممارسة الدفاع الجماعي عن النفس، ويعرب فيها عن طموح اليابان للتدخل عسكريا في قضية تايوان، موجّها تهديدا مباشرا ضد الصين.
ويُعد مصطلح "أزمة الحياة أو الموت" شائعا في قاموس النزعة العسكرية اليابانية، حيث تصوّر نفسها غالبا في موقع الضحيّة، مستغلة هذه الصورة لتحشيد الدعم الداخلي. وما أن تتاح الفرصة، تتصرف بشكل متهور، وتشن الحرب دون إعلان، وتستخدم جميع الوسائل المتاحة. وتمثل تصريحات وأفعال القادة اليابانيين الحاليين انعكاسا مباشرا لتأثير النزعة العسكرية المتأصلة فيهم.
كانت النزعة العسكرية اليابانية القوة المهيمنة للعدوان والتوسع الخارجي، والأساس الأيديولوجي لقوى اليمين المتطرف بعد الحرب. وخلال العصر الحديث، استُخدمت بقايا أيديولوجية الإمبراطور، البوشيدو والشنتوية، وأُعيد تشكيلها من قبل الطبقة الحاكمة اليابانية، وتم دمجها مع عناصر من الفكر الغربي مثل الداروينية الاجتماعية، كل ذلك لخدمة النزعة العسكرية اليابانية.
ونظرا للدمار الذي ألحقته بالبشرية، جُرّدت اليابان بعد الحرب صراحة من حقها في شن الحرب، مما قضى على الأساس المؤسسي للصراعات المستقبلية.
مع ذلك، لم تتخلص اليابان تماما من النزعة العسكرية. وعلى مدار الثمانين عاما الماضية، غلف السياسيون اليمينيون النزعة العسكرية بغطاء من "الديمقراطية" و"سيادة القانون" و"الأمن"، مبتكرين ما يُعرف بـ"النزعة العسكرية الجديدة، والتي تهدف سياسيا إلى تقويض "دستور السلام"، وتحويل المجتمع نحو اليمين. عسكريا إلى استخدام ذريعة "الدفاع الذاتي" لممارسة العدوان. وتهدف على الصعيد الثقافي إلى تشويه التاريخ وغسل أدمغة الشباب. أما دبلوماسيا، فسعت إلى تقديم نفسها في صورة "حامي الأمن الإقليمي" مع إثارة النزاعات المستمرة.
هذه النزعة الجديدة لم تؤثر على العلاقات الصينية اليابانية فحسب، بل أضرت بالسلام والاستقرار الإقليمي، ولفتت الانتباه مجددا إلى أن اليابان تتحمل مسؤولية تاريخية لا يمكن إنكارها تجاه قضية تايوان.
ورغم التزامات اليابان السياسية في أربع وثائق رسمية صينية يابانية، فإن ممارسات تاكايتشي تتجاهل هذه الالتزامات بشكل تام، مما يضر بالثقة المتبادلة بين البلدين.
كما أكد سيرغي شويغو، أمين مجلس الأمن الروسي، أن تاكايتشي تتبع سياسة تحريف التاريخ، وأن تصريحات اليابان المعادية لروسيا تتناقض مع رغبتها المعلنة في تطبيع العلاقات.
ومع بلوغ ميزانية الدفاع اليابانية مستوى قياسي في 2026، أعرب الرأي العام الياباني عن غضبه من هذه السياسات التي تؤدي إلى زيادة الضرائب وخفض الإنفاق العام، واصفينها بـ"التوسع العسكري الذي يقصر العمر".
لكن هذه السياسات ليست جديدة، إذ زادت اليابان إنفاقها الدفاعي لمدة 13 عاما متتالية، وخففت قيود الدفاع الجماعي، وقامت بتطوير قدرات هجومية على قواعد العدو، وحاولت مراجعة "المبادئ الثلاثة غير النووية"، مما يقوض التزاماتها الدستورية ويهدد السلام والتنمية العالميين.
إذا استمر مضيّ اليابان في هذا المسار الخاطئ، فإنها سترسّخ سابقة خطيرة للدول الأخرى، مهددة أسس الحوكمة الدولية، ومبادئ العلاقات الدولية مثل المساواة في السيادة وعدم التدخل، والتأثير على السلام والاستقرار على نطاق أوسع.
يشكل شبح النزعة العسكرية اليابانية أزمة حقيقية بالنسبة للدول الإقليمية والعالم، وللمجتمع الدولي الحق في التذكير بجرائم اليابان التاريخية والعمل على منع عودة هذه النزعة، حفاظا على النظام الدولي لما بعد الحرب وضمان بقاء اليابان وتنميتها بشكل سلمي.