بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
يمثّل مفهوم السِّلم والحرب في الفكر الصيني الحديث نتاج تفاعل معقّد بين الإرث الفلسفي العميق للحضارة الصينية وتجربتها التاريخية المضطربة منذ القرن التاسع عشر، فضلًا عن التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفتها الدولة الصينية المعاصرة. وعلى خلاف كثير من القوى الكبرى، لم تنظر الصين إلى الحرب بوصفها أداة توسّع طبيعية، بل باعتبارها ضرورة استثنائية لا يُلجأ إليها إلا عندما يفشل السِّلم في حماية الدولة ووحدتها. وقد تركت هذه الثقافة أثرًا بالغًا في بناء الدولة الصينية، وفي أسلوب إدارتها للصراعات الداخلية والخارجية، قديمًا وحديثًا.
أولًا: الإطار الفكري والتاريخي
يرتكز التصور الصيني للسِّلم والحرب على تراث فلسفي عريق، يأتي في مقدمته الفكر الكونفوشيوسي. فقد رأى كونفوشيوس أن الاستقرار السياسي لا يتحقق بالقوة العسكرية، بل بالأخلاق والانسجام الاجتماعي. ففي كتاب "الحوارات" يؤكد أن الحاكم الصالح هو من يحكم بالفضيلة لا بالعنف، إذ يقول: «إذا قُدِّم الشعب بالأخلاق، استقام دون عقاب»، وهو ما يعكس رفضًا ضمنيًا لاستخدام القوة كوسيلة أولى للحكم. وخلال حكم أسرة هان (206 ق.م – 220 م)، اعتُمدت الكونفوشيوسية أيديولوجيا رسمية للدولة، مما أسهم في تحقيق فترات طويلة من الاستقرار الداخلي.
إلى جانب ذلك، لعبت الطاوية دورًا مهمًا في ترسيخ ثقافة السِّلم وتجنّب الصراع. فقد دعا لاو تزو في كتاب الطاو تي تشينغ إلى الانسجام مع الطبيعة ورفض الصدام المباشر، معتبرًا أن الحرب تعبير عن اختلال التوازن الطبيعي. ويقول: «أفضل القادة هم الذين ينتصرون دون أن يُعرفوا». وقد انعكس هذا الفكر في ميل الصين إلى اعتماد استراتيجيات غير مباشرة، مثل الاحتواء، الانتظار، وإضعاف الخصم دون مواجهة مفتوحة.
ثانيًا: الإطار العسكري
يقوم التصور العسكري الصيني للسِّلم والحرب على مبدأ جوهري مفاده أن السِّلم هو الهدف الاستراتيجي النهائي، بينما تُعد الحرب وسيلة اضطرارية لا يُلجأ إليها إلا عند تهديد أمن الدولة ووحدتها. ويستمد هذا التصور جذوره من التراث العسكري الصيني، ولا سيما فكر سون تزو، الذي شدد في كتابه "فن الحرب" على أن أعظم انتصار هو الذي يتحقق دون قتال، وأن التفوق العسكري الحقيقي يكمن في الردع وكسر إرادة الخصم قبل اندلاع الحرب. وتعكس هذه الرؤية عقلية براغماتية تعتبر الحرب أداة استثنائية، لا قيمة قائمة بذاتها.
ثالثًا: من الثقافة التقليدية إلى السياسة الحديثة
تأثرت الصين الحديثة بعمق بهذا الإرث الفكري. فقد استلهم ماو تسي تونغ أفكار سون تزو في حرب العصابات، معتبرًا أن الصراع الطويل واستنزاف العدو أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة. ومع قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، أعادت القيادة الشيوعية تعريف الحرب ضمن إطار أيديولوجي جديد. فلم تُطرح بوصفها وسيلة توسّعية، بل أداة دفاعية لحماية الثورة والسيادة الوطنية. وقد تبنّى ماو مفهوم «الحرب الشعبية»، القائم على تعبئة المجتمع بأسره لمواجهة أي عدوان خارجي.
ورغم دخول الصين في نزاعات عسكرية حدودية بعد عام 1949، فإن هذه الحروب ظلت محدودة من حيث نطاقها وأهدافها، وهو ما يعكس حرص القيادة الصينية على تجنّب الحروب الطويلة التي قد تستنزف الموارد وتهدد الاستقرار الداخلي.
ومنذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، ومع انتهاج سياسة الإصلاح والانفتاح، شهد الفكر السياسي الصيني تحوّلًا جذريًا، إذ أصبح السِّلم شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية الاقتصادية. وأُعيد تعريف القوة بوصفها قدرة على تحقيق النمو والاستقرار أكثر من كونها مجرد تفوق عسكري. وفي هذا السياق، ظهر مفهوم «الصعود السلمي»، الذي يعبّر عن طموح الصين إلى استعادة مكانتها الدولية دون الدخول في صدام مباشر مع القوى الكبرى، معتمدًا على التدرّج والمرونة وتجنّب المواجهة المفتوحة.
وقد ارتبط التصور الصيني للسِّلم ارتباطًا وثيقًا بحماية مسار النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي، حيث تُعد الحرب تهديدًا مباشرًا للتنمية لا وسيلة مفضّلة لتحقيق المصالح. غير أن التجربة التاريخية للصين أثبتت أن السِّلم لا يمكن ضمانه دون امتلاك قوة رادعة. ومن ثمّ، تعتمد الصين سياسة تقوم على تفضيل الحلول السلمية للنزاعات، مع الاحتفاظ بالحرب كخيار استثنائي يُلجأ إليه فقط عند تهديد الأمن القومي أو شروط التنمية. وهكذا تصبح القوة وسيلة لحماية السِّلم لا بديلًا عنه، خاصة وأن غياب القوة، في الذاكرة الصينية، يفتح الباب أمام التدخل والهيمنة الخارجية كما حدث في الماضي.
إن العلاقة بين السِّلم والحرب في الفكر الصيني الحديث تحكمها أولوية التنمية والاستقرار. فالسِّلم هو الإطار الطبيعي لتحقيق التطور، بينما تظل الحرب وسيلة استثنائية للدفاع عن هذا المسار عندما يصبح مهددًا، في توازن دقيق بين السعي إلى السلام والاحتفاظ بالقوة كضمانة له.