![]() |
3 فبراير 2026/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/ مع بداية عام 2026، انتشرت على منصات التواصل الاجتماعي العالمية ظاهرة تقليد نمط الحياة الصيني، المعروفة باسم "يصبح صينياً"(Becoming Chinese). فقد بدأ مستخدمون أجانب بمشاركة ما أسموه "روتينهم اليومي الصيني". من شرب الماء الساخن، وإعداد الحساء والعصيدة، إلى ممارسة تمارين "بادوانجين" الصينية التقليدية.
وسرعان ما حصدت المواضيع المرتبطة بهذه الظاهرة على تطبيق "تيك توك"، أكثر من 500 مليون مشاهدة، كما لفتت انتباه عدد من وسائل الإعلام الأجنبية التي شرعت في الترويج لما بات يُعرف بـ"نمط الحياة الصيني".

لكن ما الذي يدفع مستخدمي الإنترنت الأجانب إلى التوق إلى التعلم من الثقافة الصينية؟
لعل الحكمة الشرقية تقدم إجابة مختلفة. ففي زمن يتسم بالإفراط في الاستهلاك، والتسارع الرقمي، وتفكك الفرد، قد يكون الانجذاب الأولي إلى نمط الحياة الصيني نابعا من الفضول أو الإعجاب بالصين، غير أنه سرعان ما يتحول إلى تعاطف أعمق مع جوهر الثقافة الصينية التقليدية، بما تحمله من قيم التناغم، والاعتدال، ووحدة الإنسان مع الطبيعة.
وقد راكمت الحكمة الشرقية، عبر آلاف السنين، إجابات بديلة لمعضلات العصر الحديث، مثل فراغ المعنى والقلق البيئي. وركّز نمط الحياة الصيني على احترام الإيقاعات الطبيعية، وتعزيز دفء الأسرة، وتحقيق التوازن النفسي والجسدي، مانحا فرصة للتباطؤ والتأمل في عالم يتسم بالسرعة والضغط المستمر. ومن هذا المنطلق، فإن اختيار أن تكون «صينيا روحانيا» لا يعني تقليدا سطحيا، بل بحثًا عن غذاء روحي كامن خلف هذا المفهوم.
يكمن سحر الثقافة الصينية في تفاصيل الحياة اليومية النابضة بالحياة: طبق عصيدة صباحي يبعث الطمأنينة في الجسد والروح، نزهة هادئة تحت أشعة الشمس تعيد وصل الإنسان بالطبيعة، وكوب من مياه التفاح يمثل لحظة بسيطة من العناية بالذات. وهكذا، فإن "قائمة الأشياء التي يجب فعلها لتصبح صينيا" التي جمعها مستخدمو الإنترنت الأجانب، تنبع في معظمها من هذه التفاصيل اليومية الصادقة.
إن قوة الثقافة لا تتجلى فقط في القطع الأثرية داخل المتاحف أو في النصوص الكلاسيكية، بل تتدفق عبر لحظات الحياة العادية التي قد تبدو بسيطة، لكنها أصيلة وعميقة الأثر. وقد أسهم ازدهار منصات التواصل الاجتماعي، وتطور وسائل النقل، وتطبيق سياسات الإعفاء من التأشيرة، في تعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب، وكسر الصور النمطية، وجعل الثقافة الصينية أكثر قربا وجاذبية من مجرد تقليد رمزي.

التعلّم من الثقاقة الصينية ليس ظاهرة استثنائية في العالم، ففي الصين، هناك العديد من مستخدمي الانترنت الصينيين، يحبون اتباع نمط عيش إيطالي أو برازيلي أو غيره، تعبيرا عن شغفهم بالفن أو كرة القدم أو القهوة والطعام.
وبينما تجد بعض الصينيين يتعلّمون طقوس رأس السنة الصينية، قد ينشغل مستخدمو الإنترنت الصينيون بابتكار صور إبداعية مستوحاة من شخصيات فيلم "زوتوبيا -2".
ويعكس هذا التوجه نحو التعلم من الثقافة الأخرى، في جوهره فضول الإنسان الفطري تجاه الحضارات المختلفة، ورغبته في إعادة بناء ذاته عبر استكشاف ثقافة الآخر.
وفي نهاية المطاف، لا يسعى أحد حقا إلى أن تصبح ثقافته نسخة مطابقة لثقافة أخرى. وربما يكمن سرّ موجة التعلم من الثقافة الصينية، فيما تتيحه هذه الثقافة من مساحة للتأمل والاستلهام، ومحاولة النظر إلى الذات في مرآة الآخر.