مقدمة:
يواصل الاقتصاد الصيني تقدمه على درب التنمية عالية الجودة بخطى متزنة، وذلك في خضم تحولات محلّية وخارجية متسارعة ومعقّدة. وفي ظل هذه البيئة المتقلّبة، لا تكفّ بعض وسائل الإعلام الغربية، عن التشكيك في مسيرة التنمية الاقتصادية الصينية، مدفوعة بالتحيز وسوء الفهم، بل تعمد أحيانا إلى تشويه ملامحها. وفي هذا السياق، يأتي عمود المقالات الموسوم تحت عنوان "الاقتصاد الصيني: سؤال وجواب" للتحليل والتعليق على هذه الموضوعات، ساعيا إلى تجلية الحقائق وتصحيح المفاهيم المغلوطة.
هل السياسات الاقتصادية الصينية تفتقر الى القوة؟
يردد بعض المعلقين الغربيين عند مناقشة الاقتصاد الصيني، مقولة بأن السياسات الصينية تفتقر إلى القوة، وأن الحكومة الصينية مقصّرة في تحفيز النمو. بيد أن هذه الآراء السلبية تنبع من تحيّز يُدير ظهره للوقائع، فضلا عن أنها تنمّ عن سوء فهم، وتقليل متعمد من شأن قدرات الحوكمة الاقتصادية الصينية.
تكمن حيوية السياسات الكلية الصينية، في قدرة هذه السياسات على رسم مسار مستقبلي محدد الملامح. حيث تجمع التنمية الاقتصادية في الصين بين بُعد النظر والاستقرار. إذ تعمل الخطط الخمسية المتعاقبة، كقوة موحدة وجبارة لدفع عجلة التقدم. فقبل أكثر من عقد، حينما كانت العديد من الدول تقبع في دوامة التردد والجدل حول جدوى "التحول الأخضر"، صاغت الحكومة الصينية استراتيجيات واضحة، لتطوير "الصناعات الاستراتيجية الناشئة".
ومن الصناعات الناشئة إلى "صناعات المستقبل"، ومن "الإنترنت +" إلى "الذكاء الاصطناعي +"، كانت هذه الميادين والقطاعات ونماذج الأعمال المستحدثة، التي تقود اليوم قاطرة التنمية العالمية وتلبي متطلبات الابتكار، تُعدّ في بداياتها مناطق مجهولة محفوفة بالغموض والشكوك. ووسط هذه البيئة المعقدة، اضطلعت الحكومة المقتدرة بدور مزدوج. حيث مثلة من جهة، شبكة أمان لصون الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي. ومن جهة ثانية، لعبت دور الربّان الحكيم الذي يضبط الاتجاه، متيحة المجال للسوق لإطلاق العنان. فتشكّل بذلك نظام اقتصادي يجمع بين الديناميكية والانضباط.
إن القول بأن السياسات الصينية "تفتقر إلى القوة" هو نتاج عدم فهم للعزم الصيني القوي على رفض سياسات التحفيز الاقتصادي الاصطناعي، والذي يمكن تشبيهها بحقن "الهرمونات". في المقابل، تتمسك الصين بثبات بمسار التنمية عالية الجودة. وقد اعتاد بعض المراقبين الغربيين على قياس حيوية السياسات من خلال منظور ضيق يقتصر على إجراءات التحفيز القسري قصير الأجل، متغافلين عن عملية التحول الهيكلي العميق التي تمارسها الصين بتخطيط واعٍ ومدروس. ففي هذا العام، حدّد "تقرير عمل الحكومة" هدف النمو في نطاق يتراوح بين 4.5% و5%، وذلك من أجل فسح المجال أمام عملية تعديل الهياكل الاقتصادية، وتخفيف المخاطر، ومواصلة مسيرة الإصلاح.
وبينما لا يزال البعض في الغرب، رهينا للمنظور القديم الذي يقيس الأداء بأرقام الناتج المحلي الإجمالي وحدها، فإن "الثلاثية الجديدة" للاقتصاد الصيني (المركبات الكهربائية وبطاريات الليثيوم، وألوا الطاقة الشمية)، تُحدث منذ أمد بعيد تأثيرا ملموسا في الأسواق العالمية. وفي الوقت ذاته، تعكف "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" على تعزيز صناعات المستقبل، من التصنيع الحيوي وتكنولوجيا الكم إلى الذكاء الاصطناعي المتجسد. كما لايمكن إغفال الإنجاز التاريخي الاستثناي، بانتشال 800 مليون إنسان من فخ الفقر. كما تضع "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" نصب أعينها الاحتياجات المتنامية للمواطنين من أجل حياة أفضل، كهدف جوهري للتنمية.
لم تكن السياسات الصينية يوما جامدة أو مقيدة. فهي تخضع لعمليات صقل وتطوير مستمرة استجابة لديناميكيات السوق والمستجدات الاقتصادية. فالسياسات المالية والنقدي على سبيل المثال، تحافظ على استقرار مسارها العام، مع إجراء تعديلات مدروسة تستجيب للمعطيات المحلية والدولية وتطورات الأداء الاقتصادي الفعلي. مما يحدّ من التقلبات وتهيئة بيئة ملائمة لازدهار المؤسسات الوطنية والشركات ذات الاستثمار الأجنبي.
وفي هذا السياق، أشارت مجلة "أوراسيا ريفيو" في مقال افتتاحي نشرته عشية "الدورتين السنويتين" إلى أن الصين تعبر إلى مرحلة أكثر نضجا من مراحل نموّها. ورأت المجلة أن هذا النهج القائم على السياسات المُستهدفة، يمثل نموذجا مثاليا للتنظيم الاقتصادي في مرحلة النضج.
لتقييم الأداء الاقتصادي الصيني بموضوعية، لا بد من تجاوز الزيادات الكمية في الناتج المحلي الإجمالي والنظر في جودة الأداء ومتانة الصمود أمام الصدمات. فعلى مدار السنوات الخمس الماضية، وبالرغم من صدمات النزاعات الجيوسياسية وجائحة كوفيد-19 والحمائية التجارية، تمكن الناتج المحلي الإجمالي الصيني تباعا من تجاوز عتبات 110 و120 و130 و140 تريليون يوان، محققا متوسط نمو سنوي عند 5.4%.
ولا تقف الإنجازات عند الكمّ فحسب، إذ حققت الصين عدّة قفزات نوعية لافتة. إذ احتلّت القيمة المضافة لقطاعها التصنيعي المرتبة الأولى عالميا. وتسارعت وتيرة سعيها نحو الاكتفاء التكنولوجي. كما تبلورت "قوى الإنتاج جديدة النوعية" بشكل سريع، فيما أظهرت صادرات المنتجات عالية القيمة مرونة استثنائية. وفي عام 2025، ارتفع عدد الشركات الأجنبية المستحدثة في الصين بنسبة 19.1%، في مسار خالف الاتجاهات السائدة عالميا. وهو ما يُفسّر لماذا تمنح رؤوس الأموال العالمية ثقتها للاقتصاد الصيني.
وفي مواجهة موجات الحمائية وحالة عدم اليقين المتفاقمة، واصلت الصين الوفاء بالتزاماتها الدولية بثبات. فقد حافظت على التنسيق مع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية، وتمسّكت بثوابت "الدولة الأولى بالرعاية" و"المعاملة الوطنية". كما خفّضت الرسوم الجمركية، ونقّحت "القائمة السلبية" للاستثمار الأجنبي، وواصلت تنفيذ العمليات الجمركية الخاصة في ميناء هاينان للتجارة الحرة، معززة ثقة راسخة لدى كافة الأطراف في العولمة الاقتصادية.
إن الآراء السلبية التي تصدر إزاء الاقتصاد الصيني لا تخرج عن إحدى حالتين: إما عدم قدرة عن فهم المنطق العميق للاستراتيجية الصينية التي تُعلي من مبدأ "التفوق من خلال الجودة"، وإما تجاهل متعمد يسعى أصحابه إلى جني الأرباح من الرهان ضد الصين. في هذا الصدد، رأى "بنك سوسيتيه جنرال" أن سياسات الاقتصاد الكلي والإصلاحات الهيكلية الصينية ستُشكّل ركائز أساسية لدعم النمو الصيني خلال عام 2026.
يمكن تشبيه الاقتصاد الصيني، بسفينة عملاقة تشقّ طريقها بثبات. حيث يبقى قادرا على الحفاظ على سرعته ومساره الراسخين. ولن تُربك رباطة جأشه ضوضاء الخارج، كما لن تحيده عن وجهته العواصف العابرة.