ادّعت بعض وسائل الإعلام الغربية، في سياق مناقشاتها للنمو الاقتصادي الصيني، أن ضعف الطلب المحلي بات يمثل عقبة هامة أمام "الدورة الاقتصادية الكبرى" للاقتصاد الصيني. فهل يفتقر الاستهلاك في الصين حقا إلى الزخم؟
الإجابة عن هذا السؤال، تستلزم فهما صحيحا للقواعد التي تحكم التنمية الصناعية. والحقيقة أن الاقتصاد الصيني يمر بمرحلة تحوّل نحو نموذج واعد قائم على الاستهلاك.
من المنظور الكلي، تجاوز الاقتصاد الصيني مرحلة النمو السريع، الذي يمثل سمة المراحل الوسطى من مسار التصنيع، لينتقل تدريجيا نحو النمو عالي الجودة، الذي تقوده الخدمات. وهذا التحول ليس مجرد قاعدة اقتصادية موضوعية، بل فرصة تاريخية بامتياز. إذ تسدّ محركات النمو الجديدة، وفي مقدمتها الاستهلاك الخدمي واقتصاد التجربة والابتكار التكنولوجي، الفجوة التي خلّفها التباطؤ في قطاعي العقارات والبنية التحتية. وهذا يدفع الصين إلى أعتاب مسار نمو طويل الأمد تدفعه الخدمات ويُغذيه مسار مزدوج من التطور الهيكلي والتكنولوجي.
خلال مسار التصنيع الذي شهدته الاقتصادات الكبرى، ثبتت صحة نظرية "المنحنى- U" في العلاقة بين الاستهلاك والاستثمار. إذ تركزت رؤوس الأموال في البنية التحتية والتصنيع والعقارات خلال المراحل الوسطى من التصنيع، مما أثّر على زخم الاستهلاك.
وحين بلغ الاقتصاد مراحله المتأخرة، أخذت رؤوس الأموال تتدفق نحو قطاعات الاستهلاك، مما انعك إيجابا على معدل الاستهلاك، معلنا بداية "العصر الذهبي" لصعود المنحنى.
وتقف الصين اليوم عند قاعدة المنحنى التي تمثلى النقطة الواصلة بين منحنى النزول والصعود. وفي ظل تسارع الاستهلاك من مجرّد تلبية الاحتياجات الأساسية نحو مستوى الإشباع. يواصل الاستهلاك الخدمي، بما في ذلك الثقافة والسياحة والصحة والرياضة والترفيه، صعوده ليغدو محورا أساسيا للنمو الاقتصادي. مما يمثل إعادة هيكلة لقوى الدفع الاقتصادي.
وتشير التجارب الدولية إلى أن النمو المدفوع بالاستهلاك يمثل مفتاح الازدهار طويل الأمد. ففي الفترة الممتدة من خمسينيات القرن العشرين إلى سبعينياته، دخلت الولايات المتحدة "عصرها الذهبي" الاستهلاكي، محافظة على دورة نمو مستقرة امتدت ثلاثة عقود بمتوسط سنوي بلغ 4.3%. ويشير هذا الرقم إلى أن الولايات المتحدة قد ودّعت حقبة من النمو المتسارع، لتنتقل بدلا من ذلك إلى نموذج يرتكز فيه التقدم الاقتصادي القوي على التوسع المستدام لاستهلاك الأسر. وخلال هذه الفترة، أنجبت الولايات المتحدة العديد من العلامات التجارية ذات المستوى العالمي في قطاعي الخدمات واقتصاد التجارب، مثل "ماكدونالدز"، و"وول مارت"، و"ستاربكس"، و"ديزني"، مرسخة بذلك صناعة خدمات ناضجة قائمة على ترقية الاستهلاك.
في خضم تلك الظروف، كان ظهور ماكدونالدز مدفوعا بفترة تميزت بتقلص حجم الأسر، وتسارع وتيرة الحياة، وانتشار استخدام السيارات، والطلب المتزايد على تناول الأطعمة خارج المنزل. وشهدت موجة التوسع العمراني اللاحقة ترسيخ وول مارت وجودها في المدن الصغيرة، معتمدة نموذجا منخفض التكلفة، مما أكد حتمية توسع سلاسل البيع بالتجزئة وتحقيق وفورات الحجم.
وفي حقبة ما بعد الصناعة، ومع تحول تركيز المستهلكين نحو الاحتياجات الروحية والاجتماعية، رسخت ستاربكس مكانتها حول مفهوم "الفضاء الثالث"، رافعة القهوة من مجرد مشروب إلى نمط حياة استهلاكي، وهي استراتيجية تتوافق تماما مع توجه الارتقاء بالاستهلاك الخدمي.
وكمثال نموذجي على ازدهار استهلاك الترفيه خلال المراحل الأخيرة من التصنيع الأمريكي، أنشأت ديزني "إمبراطورية تجارب" تشمل كل شيء من الرسوم المتحركة إلى إدارة المتنزهات الترفيهية. من خلال تركيز استراتيجيتها على الملكية الفكرية، وتوحيد المعايير، والتمكين الرقمي. وأصبحت تدريجيا مرجعا لدمج اقتصاد التجربة مع الاقتصاد الرقمي. مما شكّل ركيزة أساسية للازدهار الاقتصادي وتحسين جودة الحياة في أمريكا.
عند النظر إليها من منظور التجربة التاريخية والمبادئ الاقتصادية، يظل الزخم الكامن وراء الاستهلاك في الصين قويا. حيث يعكس مسار النمو الصيني الحالي بشكل وثيق ملامح "العصر الذهبي" للاستهلاك في الولايات المتحدة. وهو ما يبرهن على أن النمو المستقر والمعتدل يُعد سمة جوهرية للاقتصاد القائم على الاستهلاك، وليس مجرد مظهر من مظاهر الركود.
وبوصفه اقتصادا صاعدا، يستفيد من مزايا الانطلاق المتأخر، يمتلك الصين مزاياه الخاصة والمختلفة. فبالتزامن مع تطور أنماط الاستهلاك، تشهد الصين أيضا تحولا رقميا داخل قطاع الخدمات. وهو ما يمثل مسار تطور مزدوجا يسير بخطوات متوازية ومتزامنة. إذ يتوافق تطور أنماط الاستهلاك مع الطلب المتزايد على "ترقية الاستهلاك".
وقد دعت الدورتان السنويتان لهذا العام صراحة إلى إنشاء علامات تجارية صينية مميزة في مجال الخدمات، في خطوة استراتيجية صُممت لتتواءم مع هذا الطلب على الارتقاء والتطوير. وتهدف هذه المبادرة إلى دفع عجلة التنمية الموحدة، والقائمة على العلامات التجارية، وواسعة النطاق في قطاعات مثل المطاعم، وتجارة التجزئة، والثقافة والسياحة، والصحة والرعاية. مما يعزز بدوره ظهور عمالقة صينيين في هذا المجال.
وفي المقابل، يعمل التحول الرقمي على توظيف أدوات مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة لتمكين عملية التحول في أنماط الاستهلاك وتعزيز كفاءتها. كما تساهم "البنية التحتية الجديدة" للاقتصاد الرقمي في تسهيل خفض تكاليف المعاملات، وتحسين سير العمليات الخدمية، وتحقيق المواءمة الدقيقة بين العرض والطلب من خلال الرقمنة. مما يحقق تكاملا سلسا بين القنوات الرقمية والقنوات التقليدية، ويضمن التوافق الفعال بين العرض والطلب في السوق.
ومن خلال دمج صناعات الخدمات التقليدية مع التقنيات الرقمية، تبرز أشكال ونماذج أعمال جديدة تُمكّن العلامات التجارية الخدمية من تحقيق معدلات نمو، ونطاق انتشار أوسع، إلى جانب عمق الابتكار. بما يتجاوز القدرات التي تتيحها مسارات التنمية التقليدية.
إن التحول الصيني نحو اقتصاد يقوده الاستهلاك يستند إلى اتجاهات تاريخية راسخة ويستمد قوته من تقنيات المستقبل، مما يُضفي عليه إمكانات أوسع وآفاقا أرحب. وهو لا يمثل مجرد ارتقاء صناعي، بل تحول جوهري في المنطق الحاكم للنمو الاقتصادي ذاته. وهذا ما يجعل السردية الغربية القائلة بـ"تضاؤل الزخم الاقتصادي" سردية واهية تفتقر إلى أي سند من الوقائع أو المنطق.