شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>أخبار الصين

تعليق: "الهيمنة الافتراسية" تحمل بذور تفككها منذ البداية

2026-04-23 16:36:55   

منذ أن أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران، أثارت الاضطرابات في الشرق الأوسط قلق العالم بأسره. وبينما يأمل المجتمع الدولي في إنهاء سريع للأعمال العدائية، يطرح أيضا تساؤلا عميقا: ما الذي أشعل فتيل هذه الحرب؟ إن مفهوم "الهيمنة الافتراسية"، الذي طرحه ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة هارفارد، يقدم منظورا لفهم المنطق الكامن وراء السياسة الخارجية الأمريكية.

تشير "الهيمنة الافتراسية" إلى استغلال الولايات المتحدة لموقعها في النظام الدولي لانتزاع "تنازلات وجزية وإذعان" من الحلفاء والخصوم معا. وتتعامل مع كل علاقة ثنائية، سواء مع الخصوم أو الشركاء، على أنها "لعبة صفرية"، هدفها انتزاع أكبر قدر من المنفعة، وفق مبدأ متوحش: "ما لي يظل لي، وما لك قابل للتفاوض".

ولم تتورّع الولايات المتحدة في ممارسة سلوك "الهيمنة الافتراسية" على الملأ، وبشكل عارِ أمام أنظار الجميع. فمن الانسحاب العشوائي من الاتفاقيات الدولية والتخلي عن المسؤوليات الدولية، إلى تبني موقف تجاه القواعد الدولية مفاده: "استخدمها حين تخدم مصالحك، وتخلّ عنها حين لا تحقق ذلك". ومن محاولة ممارسة الابتزاز الاقتصادي العالمي عبر الحروب الجمركية والتجارية، وصولا إلى الاستخدام الروتيني الحالي للتهديد باستخدام القوة ضد دول ذات سيادة، والاستيلاء بلا تردد على مواردها وثرواتها وادعاء الحق في الأراضي... تظهر هذه الممارسات بشكل لا يدعو للشك حقيقة أن الولايات تتقهقر نحو منطق "القوة هي من تفرض الواقع".

ويتجلى هذا التقهقر في مستويين مختلفين:

أولا، التراجع في تعريفها لدورها. ففي أعقاب الحرب الباردة، ورغم أن الولايات المتحدة كانت تمتلك طبيعة هيمنية كامنة، إلا أنها حافظت مع ذلك، على الأقل ظاهريا، على صورة "الفاعل المسؤول". إذ عملت على رعاية التحالفات، وتوفير الفوائد الدولية العامة، وتصدرت المشهد في صياغة القواعد الدولية وإنفاذها. أما اليوم، فقد سقط هذا القناع بسرعة. وانحدرت الولايات المتحدة تماما إلى مرتبة "مُقوض القواعد" و"مُخرّب التعاون"، ملتجئة بدلا من ذلك إلى الاعتماد على "قانون الغاب" العاري للحفاظ على هيمنتها.

ثانيا، يتمثل هذا التقهقر في عقلية الولايات المتحدة الاستراتيجية. فقد أثار التراجع النسبي في مكانتها المهيمنة قلقا عميقا داخل الولايات المتحدة. ووفقا لبيانات البنك الدولي، انخفضت حصة الولايات المتحدة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حوالي 40% في عام 1960 إلى نحو 25% في عام 2023. وقد جعل انعدام الأمان الناجم عن هذا التراجع النسبي في القوة من الصعب على واشنطن تقبّل متغيّرات المشهد العالمي.

كما أصبح التقدم المستمر للعولمة الاقتصادية والصعود الجماعي لـ "الجنوب العالمي" مصدرين لقلق دفين لدى بعض السياسيين الأمريكيين. إذ باتوا ينظرون إلى الحفاظ على النظام الدولي القائم باعتباره مسعى غير مجد. وتفاقم هذا الشعور مع صعود النزعة الشعبوية الداخلية واشتداد الاستقطاب السياسي، مما أدى إلى انحدار عقليتهم لتتبنى شعار "أمريكا أولا"، دافعا إياهم أبعد ما يكون في طريق التنمر الأحادي الجانب.

بهذا المعنى، لا يرى والت "الهيمنة الافتراسية" كاستراتيجية قوة صرفة، بل كمسار يحمل في داخله عوامل إنهاك تدريجي للهيمنة ذاتها، حتى لو بدا فعالا على المدى القصير.

فما الذي يكمن أن نقرأه وسط هذا التأمل العميق؟

أولاً، تعمل "الهيمنة الافتراسية" على طمس التمييز بين القوة والنفوذ. فالنّفوذ الدولي الحقيقي يقوم على بناء مصالح مشتركة والحفاظ على مصداقية القواعد الدولية، بينما يؤدي اللجوء إلى "سردية الضحية" والتهديد بـ"نقض العهود" أو "الانسحاب من المنظمات" إلى استنزاف الرصيد الدولي، بما يفضي إلى تراجع النفوذ تدريجيا ثم بصورة مفاجئة.

ثانيا، تقع "الهيمنة الافتراسية" في فخ "عقلية المحصلة الصفرية"، حيث يُنظر إلى كل تفاعل كفرصة لانتزاع أقصى منفعة. وهذا يقوض شعور الحلفاء بالأمان ويدفع الأطراف المحايدة إلى البحث عن بدائل، مع تسارع نزعة الاستقلال الاستراتيجي لديهم نتيجة تآكل الثقة في السياسات الأمريكية. وقد أشار استطلاع لـ"غالوب" إلى تراجع ملحوظ في التأييد للولايات المتحدة عام 2025 عبر 44 دولة بأكثر من 10 نقاط مئوية، خصوصاً بين حلفاء الناتو، ما يعكس كلفة هذا النمط من الهيمنة.

علاوة على ذلك، فإن "الهيمنة الافتراسية" تستهين بمرونة النظام الدولي متعدد الأقطاب. وفي هذا الصدد، أشار مقال في مجلة "ناشيونال انترست" إلى أن بعض المسؤولين الأمريكيين لا يزالون أسرى ذهنية القرن التاسع عشر القائمة على الاستيلاء على الأراضي ونهب الموارد وإقصاء المنافسين. غير أن السياق الدولي قد تغيّر، ولم يعد لهذا النمط أساس واقعي، إذ يتجه العالم نحو قيادة قائمة على التعاون ومبدأ "تقاسم الأرباح". وهذا التغير الدولي لن يتوقف بمحض إرادة دولة ما، بل على العكسر ستجد القوى المهيمنة نفسها أكثر تهميشا مع تسارع التحول نحو التعددية القطبية.

إن انزلاق الولايات المتحدة نحو "الهيمنة الافتراسية" يمثل، في جوهره، تراجعا من دور "باني القواعد" إلى "مُخرّبها"، ومن معزّز للتعاون إلى مُستنزف له، ومن مؤتمن على الحلفاء إلى مُبتزّ لهم، وهو ما يعكس نفيا ذاتيا تغذّيه مخاوف الهيمنة.

ويشير ستيفن والت إلى أن هذا النهج قد يحقق مكاسب قصيرة المدى، لكنه على المدى الطويل يؤدي إلى تراجع النفوذ، وزيادة عدم الأمان، وتفاقم الفقر النسبي للولايات المتحدة. ومن ثم، فإن تجاوز منطق الهيمنة والتوجه نحو التعددية والتعاون الدولي يمثل، بحسب هذا الطرح، المسار الأكثر استدامة لأي قوة عظمى.