شارك روبوت بشري صيني من تطوير شركة يوشي(يونيتري) في برنامج تلفزيوني بولندي، واجتاح نموذج ديبسيك المفتوح المصدر من الجيل الجديد V4 وسائل الإعلام الأجنبية. وتعكس هذه الأمثلة الحضور المتنامي لصناعة الذكاء الاصطناعي الصينية على الساحة العالمية مؤخراً. وفي ظل الزخم المتسارع الذي يشهده مجال الذكاء الاصطناعي، تنتهج الصين مسارًا تنمويًا قائمًا على الانفتاح ومشاركة المعرفة، مستندةً إلى خصائصها وإمكاناتها الفريدة، محققة تحولًا تدريجيًا في صناعة الذكاء الاصطناعي، وصقلًا لقدراتها الابتكارية، وفي الوقت نفسه ضخ طاقة دافعة لا تنضب في نمو صناعة البيانات والذكاء الرقمي عالميًا.
تُعد البيانات المؤشر الأكثر بديهية لقياس حيوية أي منظومة تكنولوجية. ووفقاً لـ "التقرير العالمي لمنظومة الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر لربيع 2026"الذي أصدرته منصة دولية مرموقة متخصصة في المصادر المفتوحة، فإن 41% من النماذج واسعة النطاق التي جرى تنزيلها من المنصة على مدار العام الماضي قد طُورت في الصين. ونتيجة لذلك، برزت الصين كواحدة من أكثر المناطق نشاطاً وأسرعها نمواً على مستوى العالم من حيث توريد النماذج مفتوحة المصدر. وعلاوة على ذلك، أشار تقرير سابق نُشر بالتعاون بين معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) والمنصة المذكورة أعلاه إلى أن حجم التنزيلات العالمية للنماذج مفتوحة المصدر التي طُورت في الصين قد تجاوز، خلال العام الماضي، نظيره في الولايات المتحدة للمرة الأولى، مما بوّأ الصين الصدارة عالمياً في هذا المجال. ويستمر نفوذ النماذج الصينية مفتوحة المصدر في التوسع، متجاوزاً النطاق التقني ليشمل القطاع الصناعي، إذ باتت العديد من الشركات الأجنبية تعتمد بشكل متزايد على نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية في تطبيقاتها العملية. وفي هذا السياق، صرّح الرئيس التنفيذي لشركة بينترست الامريكية، بيل ريدي ، بأن قرار شركات الذكاء الاصطناعي الصينية تبني مسار تكنولوجي قائم على المصادر المفتوحة قد أدى إلى تغذية النمو الهائل الذي تشهده النماذج مفتوحة المصدر على الصعيد العالمي.
لقد حظيت النماذج الصينية مفتوحة المصدر بإعجاب المطورين في شتى أنحاء العالم، وذلك بفضل معاييرها التقنية الاستثنائية ونهجها المنفتح والشامل في عملية التطوير. ولنأخذ نموذج ديبسيك V4مفتوح المصدر كمثال، إذ يمثل هذا النموذج طفرة تقنية بارزة، تتيح ابتكار منتجات عالية الأداء من خلال "نافذة سياق" فائقة الطول، قادرة على معالجة ما يصل إلى مليون "رمز مميز" (Token). علاوة على ذلك، فمن خلال إتاحة أوزان النموذج وشفرته البرمجية الأساسية مجاناً للمطورين على مستوى العالم، رسّخ هذا النموذج مكانته كركيزة أساسية لجهود البحث والتطوير التكنولوجي عالمياً. وبعد سنوات من العمل الدؤوب والمتواصل، نجحت الصين الآن في بناء منظومة صناعية شاملة للذكاء الاصطناعي، تضم في طياتها أكثر من 6000 شركة متخصصة في هذا المجال. وتمتد سلسلة القيمة الصناعية هذه لتشمل كافة القطاعات الحيوية، بدءاً من الرقائق الذكية ومجموعات الحوسبة، وصولاً إلى تطوير النماذج وتطبيقاتها العملية في العالم الواقعي. وفي هذا السياق، أشار مقال نُشر على الموقع الإلكتروني لصحيفة "النجم" الماليزية إلى أن منتجات الذكاء الاصطناعي الصينية تولي أولوية قصوى للتطبيق العملي، وقد حققت معايير رائدة عالمياً في مجال تكامل الموارد. وفضلاً عن ذلك، فقد ساهمت منظومتها المفتوحة والمشتركة للمطورين في تسريع وتيرة التبني الواسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي بفاعلية، سواء على الصعيد المحلي أو الدولي، إلى جانب تعزيز تطبيقاتها في قطاعات حيوية مثل الطاقة، والنقل، والرعاية الصحية.
إن نموذج التطوير القائم على المشاركة مفتوحة المصدر لا يقتصر دوره على تسهيل الانتشار العالمي لابتكارات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل يفتح آفاقاً جديدة للنمو الاقتصادي المحلي داخل الصين أيضاً. فقد نجحت مجموعة من النماذج مفتوحة المصدر محلية المنشأ، بما في ذلك Qwen ، وKimi وديبسيك في إزاحة حواجز تقنية وقطاعية هائلة، مما مكّن المبدعين والمطورين في شتى أنحاء العالم من نشر التقنيات وتطوير التطبيقات بسرعة وكفاءة. وبالنسبة للصين، يتحول هذا النظام البيئي المزدهر للمصادر المفتوحة تدريجياً ليصبح محركاً جديداً للتوسع الاقتصادي، إذ أدى بلوغ المتوسط اليومي لطلبات المعالجة أكثر من 140 تريليون رمز، مقترناً بوجود قاعدة مستخدمين محليين للذكاء الاصطناعي التوليدي تتجاوز 600 مليون مستخدم، إلى نشوء طيف غني ومتنوع من سيناريوهات التطبيقات الذكية. ومن خلال الابتكار التعاوني المشترك بين الشركات، والجامعات، والمؤسسات البحثية، يتحول الذكاء الاصطناعي ليصبح مورداً تقنياً مشتركاً يعود بالنفع على طيف واسع من أصحاب المصلحة.
لا يُعدّ انفتاح المصدر مجرد نموذج للتطوير التقني فحسب، بل هو، في جوهره، فلسفةٌ تقوم على التعايش التعاوني. وفي حين يُحدث الذكاء الاصطناعي حالياً تحولاً عميقاً في أنماط الإنتاج البشري والحياة اليومية، فإنه يجب ألا يتحول إلى "لعبةٍ تقتصر على الدول الغنية والأثرياء"، كما ينبغي ألا ينزلق أبداً نحو منطقٍ تنافسيٍ تتسم بلعبة محصلتها صفر. لقد عمدت بعض الدول إلى إقامة حواجز تكنولوجية وتفتيت سلاسل التوريد الصناعية، مما أدى -بشكلٍ مصطنع- إلى عرقلة التدفق العابر للحدود لموارد الابتكار. وتتمثل عواقب هذه الإجراءات في اتساعٍ أكبر للفجوة التكنولوجية وتفاقمٍ للاختلالات التنموية، وهو ما يصب في نهاية المطاف في غير صالح المنظومة العالمية للابتكار. وقد برزت الصين كفاعلٍ عالميٍ رئيسيٍ ومساهمٍ بارزٍ في مجال البرمجيات مفتوحة المصدر والنماذج المفتوحة، حيث كرست رسمياً مبدأ "تعزيز تطوير منظومة المصدر المفتوح" ضمن الخطوط العريضة لخطتها الخمسية الخامسة عشرة. وتُظهر التجربة العملية لقطاع الذكاء الاصطناعي في الصين أنه كلما كانت التكنولوجيا أكثر تطوراً وتقدماً، ازدادت الحاجة إلى التعاون المفتوح، وكلما كان التحدي عالمياً في نطاقه، تعاظمت الضرورة الملحة لتقاسم ثمار الابتكار. ولن يتسنى للذكاء الاصطناعي أن يتطور في اتجاهٍ شاملٍ وخيّر، ليغدو بذلك حقاً "منفعةً عامةً عالمية" تعود بالنفع على البشرية جمعاء، إلا من خلال التمسك بمبادئ الابتكار المفتوح، وتعميق التعاون الدولي، والعمل الجماعي على تعزيز بيئةٍ لتطوير الذكاء الاصطناعي تتسم بالانفتاح والمساواة والإنصاف وعدم التمييز.
إن مسار المصدر المفتوح يُفضي إلى الابتكار والنجاح المشترك. واليوم، تتجه أنظار العالم نحو قطاع الذكاء الاصطناعي في الصين، ليس فقط لمراقبة اختراقاته التكنولوجية المتسارعة ومنظومته الحيوية، بل أيضاً لإدراك حقيقة "صين رقمية" تلتزم بمبادئ المصدر المفتوح وتسعى لتوظيف الذكاء الاصطناعي بما يخدم الصالح الاجتماعي. وستواصل الصين توظيف نقاط قوتها الفريدة والتعاون مع كافة الأطراف المعنية للمساعدة في ردم الفجوة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي، والتسطير معاً فصلاً جديداً في تاريخ التطور التكنولوجي العالمي.