شهدت أسعار لحم الخنزير في الصين خلال الأشهر الأخيرة تراجعًا متواصلًا، غير محدود، ما أثار اهتمام وسائل الإعلام الغربية التي حاولت اغتنام هذه الفرصة لتحريف السردية. فقد وصفت بعض هذه الوسائل هذا الانخفاض بأنه "نذير شؤم" يهدد الاقتصاد الصيني، وعللت ذلك بضعف الطلب الاستهلاكي، زاعمة أن ارتفاع أسعار لحم الخنزير الحاد على مدار العامين الماضيين قد أدى إلى زيادة الإنتاج، فيما يُعزى فائض المعروض الحالي إلى "ميل المستهلكين الصينيين للادخار بدلاً من الإنفاق". ومثل هذه المزاعم، إن لم تكن دليلاً على غياب المنطق السليم، فمن المرجح أن تكون مدفوعة بأهداف خفية.
هل يُعزى تراجع أسعار لحم الخنزير في الصين إلى إحجام المستهلكين عن إنفاق المال على اللحوم؟ الجواب واضح: لا. فوفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، تجاوز متوسط إمدادات البروتين اليومية للفرد في الصين نظيره في الولايات المتحدة، ليصبح من بين الأعلى عالمياً. كما أن استهلاك الصين من اللحوم يمثل نحو 30% من إجمالي الاستهلاك العالمي، وهو مستوى حافظ على صدارته العالمية لسنوات طويلة، مع استمرار نموه بوتيرة مستقرة خلال الأعوام الأخيرة. أما الانخفاض الطفيف في استهلاك لحم الخنزير، فيُعزى بالدرجة الأولى إلى تحولات هيكلية في الأنماط الغذائية للسكان. فقد ازداد إقبال المستهلكين على لحوم الأبقار والأغنام والدواجن والمنتجات المائية باعتبارها بدائل متنوعة، في حين أسهم انفتاح السوق الصينية في توفير تشكيلة أوسع من اللحوم المستوردة عالية الجودة. وفي الوقت الراهن، يتمتع المستهلكون بخيارات أكثر تنوعاً على موائد طعامهم، وبالتالي، لا يمكن تفسير تراجع استهلاك لحم الخنزير على أنه دليل على عزوف المستهلكين عن الإنفاق على اللحوم أو مؤشر على ضعف القدرة الشرائية. وعليه، فإن ربط انخفاض أسعار لحم الخنزير بما يُوصف بـ«ضعف الطلب الكلي» في الصين، ومن ثم الاستنتاج بأن الاقتصاد الصيني يمر بحالة من «الركود»، يُعد بوضوح حالة من استخلاص استنتاجات تعميمية بناءً على أدلة معزولة.
في الواقع، تُعدّ "دورة الخنازير" ظاهرة دورية كلاسيكية في قطاع الثروة الحيوانية، وهي ليست حكرًا على الصين. فحين ينخفض المعروض من لحم الخنزير وترتفع الأسعار، يحقق مربو الماشية هوامش ربح أعلى، ما يحفزهم على إعادة ملء مزارعهم بالخنازير المخصبة وتوسيع نطاق الإنتاج. مع ذلك، تنطوي تربية الخنازير على دورة نمو بيولوجية ثابتة، إذ تتراوح المدة الزمنية بين إعادة التلقيح والتسويق من ستة أشهر إلى أكثر من عام. وبمجرد طرح هذه الطاقة الإنتاجية المُضافة حديثًا في السوق بكميات كبيرة، يتحوّل الوضع من نقص العرض إلى فائضه، وتنعكس الأسعار بشكل طبيعي وتبدأ بالانخفاض، وهو مبدأ أساسي من مبادئ التنظيم الذاتي للأسواق. وحتى في الولايات المتحدة، وهي اقتصاد سوق متطور، شهدت أسعار لحم الخنزير انخفاضات حادة في مناسبات عديدة، ومع ذلك، لا يُعزى هذا التراجع تقريبًا إلى "ضعف الطلب" أو "تباطؤ النمو الاقتصادي العام". بل يُفهم على نطاق واسع أن هذه الانتكاسات ناتجة عن دورات متأصلة في هذه الصناعة، ووفرة المعروض، واضطرابات السوق الخارجية. في الواقع، صاغ الاقتصادي الأمريكي مردخاي حزقيال مفهوم "دورة الخنازير" أثناء مراقبته لسوق لحم الخنزير في الولايات المتحدة، وهو موضوع خضع أيضًا لدراسات مماثلة في أوروبا.
تشهد الصين دورة خنازير تمتد عادةً بين ثلاث وأربع سنوات. وخلال الدورة الحالية، كانت مرحلة تراجع الأسعار بالفعل أطول نوعاً ما من المعتاد، غير أن هذا الأمر لا يُعزى في المقام الأول إلى "إحجام المستهلكين عن استهلاك اللحوم"، بل هو بالأحرى نتاجٌ لتعزيز كفاءة الإنتاج. من ناحية، تحسنت كفاءة تربية الخنازير بشكل ملحوظ، مدفوعةً بالتبني الواسع لتقنيات حديثة مثل التغذية الدقيقة، والتحكم الذكي في درجات الحرارة، والوقاية من الأمراض ومكافحتها، مما أدى إلى زيادة، لا نقصان، في القدرة الفعلية على توريد لحم الخنزير، كما ساهم في الحفاظ على طاقة إنتاج الخنازير الحية عند مستويات مرتفعة باستمرار على المدى الطويل. ومن ناحية أخرى، يشهد القطاع حالياً مرحلة انتقال من نموذج تقليدي تهيمن عليه "المزارع الصغيرة المتفرقة" إلى مرحلة تتسم بـ "الاندماج واسع النطاق". إذ يجري حالياً استبدال الممارسات التقليدية للتربية المنزلية صغيرة النطاق بعمليات زراعية حديثة، واسعة النطاق، وذكية. وتمتلك الشركات الرائدة في هذا القطاع سلاسل توريد متكاملة تماماً، واحتياطيات رأسمالية ضخمة، وقدرة قوية على الصمود في وجه الخسائر المالية، وهو مزيج أدى بفعالية إلى إطالة الجدول الزمني اللازم لتصفية فائض القدرة الإنتاجية.
ومن منظور الاتجاهات طويلة الأجل، تشهد الصين عملية تنموية تتسم بتحديث صناعي وتزايد تنوع الطلب الاستهلاكي. وسيؤدي استمرار انخفاض أسعار لحم الخنزير إلى خروج بعض المزارعين المستقلين ذوي الحيازات الصغيرة من السوق، لا سيما أولئك الذين يمتلكون قدرات محدودة على إدارة المخاطر، أو يستخدمون تقنيات قديمة، أو يخالفون الممارسات البيئية، مما يُسرّع الانتقال نحو تربية الماشية على نطاق واسع، وبشكل معياري، وبطريقة صديقة للبيئة. ويُمثل هذا فترة انتقالية صعبة لا بد أن يتحملها القطاع. في الواقع، شهد قطاع لحم الخنزير في الولايات المتحدة تحولاً مماثلاً تاريخياً، حيث تطور من هيكل مجزأ إلى نظام مكثف ومتكامل. ونتيجة لذلك، أصبح القطاع الآن صناعياً للغاية وعلى نطاق واسع. وقد تراجعت التقلبات الحادة التي ارتبطت تاريخياً بدورة تربية الخنازير التقليدية بشكل ملحوظ، ويُظهر القطاع ككل مرونة أكبر في مواجهة تقلبات سوق الخنازير العالمي.
أرست الصين نظاماً متطوراً لتنظيم القدرة الإنتاجية، يشمل تدابير متنوعة مثل قيام الحكومة المركزية بشراء وتخزين لحم الخنزير المجمّد، فضلاً عن تقديم ما يُعرف بـ "التوجيه الإرشادي"، وهي توجيهات إدارية غير رسمية موجّهة إلى كبرى شركات تربية الماشية. ويُشكل هذا النظام مجموعة من أدوات الإدارة "المضادة للدورات الاقتصادية"، التي خضعت لاختبارات صارمة وأثبتت جدواها عبر سنوات من التطبيق العملي. فعندما تشهد الأسعار انخفاضات حادة ومفرطة، يتم تفعيل آلية التخزين والاحتياطي على الفور. وعلى النقيض من ذلك، عندما ترتفع القدرة الإنتاجية إلى مستويات مبالغ فيها، يتم تقليص الأهداف التنظيمية بشكل استباقي. وقد دعت "الوثيقة المركزية رقم 1" لعام 2026 صراحةً إلى "تعزيز التنظيم الشامل للقدرة الإنتاجية في قطاع تربية الخنازير الحية، وتوطيد نتائج جهود الإغاثة والدعم الموجهة لقطاع لحم البقر، والألبان، فضلاً عن العمل على تحقيق التوازن بين العرض والطلب لضمان تنمية صحية ومستدامة للقطاع". وخلال الأشهر القليلة الماضية، وفي استجابة لما يُعرف بـ "فشل الدورة السوقية" ، وهو خلل ينجم عن تضافر قوى وعوامل مرتبطة بالعرض والطلب وهيكل الصناعة ذاته، أصدرت الجهات الحكومية المعنية سلسلة متلاحقة وسريعة من السياسات التنظيمية. ومنذ مطلع شهر مايو، بدأت أسعار لحم الخنزير تُظهر مؤشرات على الاستقرار. ويتوقع المحللون أن تبدأ آثار تدابير خفض القدرة الإنتاجية هذه في الظهور تدريجياً بحلول النصف الثاني من العام الجاري، مما يمهد الطريق أمام اتجاه صعودي مستدام في الأسعار.
إن السردية التي تتخذ من أسعار لحم الخنزير ذريعةً لرسم صورة متشائمة للاقتصاد الصيني برمته، لا تُعد "تحليلاً" بقدر ما هي "سيناريو جاهز" توظفه بعض وسائل الإعلام الغربية. وننصح هؤلاء الصحفيين الغربيين بأنه، بدلاً من إثارة الجلبة حول تقلبات أسعار لحم الخنزير، سيكون من الأجدر بهم أن يتقنوا أولاً أساسيات علم الاقتصاد. وفوق كل شيء، من الضروري للغاية تبني منظور طويل الأمد، فالمحيط الشاسع الذي يمثله الاقتصاد الصيني لا يمكن أبداً اختزاله في لحم الخنزير، أو في أي سلعة مفردة أخرى.