نشرت صحيفة وول ستريت جورنال مؤخرا مقالا بعنوان "الصدمة الصينية القادمة: روبوتات شبيهة بالبشر أرخص من السيارات المستعملة"، زعمت فيه أن الروبوتات الصينية الشبيهة بالبشر منخفضة التكلفة باتت على وشك إحداث تحول جذري في السوق العالمية.
وتخلّل المقال قدر من الحذر تجاه تحوّل القوى الإنتاجية الصينية، وقلق عميق إزاء احتمال فقدان الغرب لميزته التنافسية. كما تعكس هذه الرؤية المتحيزة أزمة ثقة في النفس متنامية في بعض الأوساط الغربية.
من الملابس والألعاب إلى منتجات الطاقة الكهروضوئية ومعدات البناء، ثم المركبات الكهربائية والروبوتات، تمثل الموجات المتعاقبة لما يُعرف بـ"الصدمة الصينية"، في جوهرها، إطارا سرديا صاغته وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية الغربية لوصف تأثير الصين في السوق العالمية خلال مراحل تطورها المختلفة. وقد تحول هذا المفهوم إلى وعاء واسع تُسقط عليه بعض الأوساط الغربية بصورة متكررة مخاوفها وهواجسها المتزايدة.
تلتزم الصين بفلسفة تنموية تجعل من القوى الإنتاجية أداة لخدمة الرفاه الاجتماعي. فمن خلال الابتكار التكنولوجي والاستفادة من مزايا وفورات الحجم، عملت على خفض تكاليف المنتجات المتطورة، ورفع كفاءة الإنتاج، والاستجابة للتحولات الديموغرافية في سوق العمل، بما يوجه القوى الإنتاجية المتقدمة لخدمة الاقتصاد الحقيقي وتحقيق المنفعة للمجتمع ككل.
ويظل هذا المنطق حاضرا في مختلف القطاعات، من الطاقة الكهروضوئية والمركبات الكهربائية إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر. كما تتسم خطط الحكومة الصينية للترقية الصناعية بالانفتاح والشفافية والاتساق. إذ أُعلن منذ عام 2023 عن أهداف تشمل تحقيق الإنتاج الضخم للروبوتات الشبيهة بالبشر بحلول عام 2025، وجعلها محركا جديدا للنمو الاقتصادي بحلول عام 2027. ولا يمثل ذلك "طموحا خفيا"، بل رؤية واضحة للتنمية المستقبلية.
ومع ذلك، فإن هذا المسار التنموي الواضح والفعال يثير قلق الغربيين الذين يشعرون بأنهم عالقون في مأزق تنموي. ويعود السبب الجذري إلى أن العديد من الدول الغربية قد غرقت، على مدى العقود الماضية، في ظاهرة "التفريغ الصناعي" وهيمنة النشاط المالي على اقتصاداتها.
فقد تقلصت القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الحقيقي، فيما اتسمت وتيرة التغيير بالتدرج البطيء والارتقاء المحدود. وبفعل القيود التي تفرضها الدورات الانتخابية، ونفوذ جماعات المصالح الخاصة، والأنظمة السياسية المعرضة للجمود، تواجه هذه الدول صعوبة في تبني سياسات صناعية متسقة وطويلة الأمد أو في دفع الابتكار التكنولوجي الجذري.
وقد أدت معوقات التغيير الاجتماعي إلى بقاء العديد من الدول المتقدمة أسيرة التردد ومقاومة الإصلاح، ما أضعف فعليا دوافعها الداخلية لإعادة تشكيل قواها الإنتاجية. وهذا، في جوهره، هو الأصل المؤسسي لأزمة الثقة التي تعانيها.
وتعمد بعض السرديات الغربية إلى تشويه عملية التحديث الصناعي المشروعة في الصين بوصفها "طاقة إنتاجية مفرطة"، وتصف مزايا التكلفة الناتجة عن المنافسة السوقية بأنها "منافسة غير عادلة"، كما تقدم التخطيط الصناعي المعتاد على أنه "توسع اقتصادي".
وتمثل هذه المواقف أمثلة واضحة على ازدواجية المعايير. ويشير تقرير حديث للبنك الدولي إلى أن السياسة الصناعية تُعد أداة تنموية شائعة على مستوى العالم. إذ تشكل ما يصل إلى 70% من التدابير المتخذة في الدول المتقدمة، فيما تُعد الولايات المتحدة وأوروبا واليابان من أبرز الجهات الدافعة للدعم والتدخلات الصناعية عالميا.
وما تعارضه بعض الأوساط الغربية في الواقع ليس السياسة الصناعية بحد ذاتها، بل النموذج الصيني للممارسة الصناعية. النموذج القادر على التنفيذ الفعال، وتحقيق فوائد ملموسة للاقتصاد الحقيقي، وكسر الاحتكارات الغربية.
ومن منظور أوسع، فإن القلق الذي يساور بعض الأوساط الغربية إزاء مسار التنمية يرتبط، في جوهره، بتآكل نظام الهيمنة الذي اعتادت عليه. فقد بنت الدول الغربية، على مدى فترة طويلة، نظاما عالميا استند إلى النهب الاستعماري ونقل الصناعات والهيمنة المالية، وحافظت من خلاله على مستويات معيشية تفوق بكثير قدراتها الإنتاجية الذاتية، مستفيدة من "مقص الأسعار" للموارد العالمية ومن مكاسب العمالة منخفضة التكلفة. أما اليوم، ومع تنامي الوعي الجماعي لدى دول الجنوب العالمي وتراجع أنظمة الاستعمار الجديد، فإن المكاسب الخارجية التي أتاحت للغرب تحقيق الأرباح بسهولة تتآكل بصورة متواصلة.
في مواجهة هذا المأزق، اختارت بعض الدول الغربية الانكفاء على الذات وإقامة مزيد من الحواجز، بدلا من تسريع وتيرة الإصلاح الداخلي أو تبني التغيير الاستباقي. غير أن الحمائية التجارية لا تستطيع معالجة التحديات التنموية المتجذرة. فما يحتاجه الغرب بصورة ملحة هو إعادة النظر في فهمه للتنمية والتخلي عن عقلية "اللعبة الصفرية" في الجغرافيا السياسية. فالتقدم في الإنتاجية يمثل مكسبا مشتركا للبشرية جمعاء، والتطور التكنولوجي يمثل فرصة عالمية ينبغي النظر إليها على هذا الأساس، لا باعتبارها صدمة جيوسياسية محكومة بمنطق الربح والخسارة المطلقين.
من جانبها، تواصل الصين المضي قدما في مسارها التنموي، فيما يواجه أولئك الذين يرزحون تحت وطأة التردد والقلق في الغرب خيارا حاسما. فجمود العالم القديم ومخاوفه ليسا، بأي حال من الأحوال، نتيجة للتقدم المتسارع الذي يحققه العالم الصاعد.