أقرّ عالم السياسة والفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكوياما، في مقابلة أُجريت معه مؤخراً، بأن أطروحته حول "نهاية التاريخ" التي طرحها قبل أكثر من ثلاثة عقود قد تكون معيبة. وتُعدّ حقيقة أن هذا المدافع البارز عن النظرية الديمقراطية الليبرالية الغربية في حقبة ما بعد الحرب الباردة بات يقرّ علناً بتراجع النظام الأمريكي، وباحتمال أن يشكّل النموذج الصيني خياراً بديلاً، تجسيداً لعملية "إعادة تقييم الصين" التاريخية التي تشهدها المجتمعات الغربية حالياً.
تُعد الممارسة المعيار الوحيد لاختبار الحقيقة. فمنذ انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح، نجحت الصين في انتشال أكثر من 800 مليون نسمة من براثن الفقر ورفع متوسط العمر المتوقع إلى 79.25 عاماً، بالتزامن مع إنشاء شبكات واسعة للنقل العام وبنية تحتية حضرية، وتوفير تغطية للرعاية الصحية الأساسية وأنظمة للحياة العصرية. واليوم، تحتل الصين المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد براءات الاختراع في مجال الذكاء الاصطناعي، وتستحوذ على 35% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، كما تؤدي دوراً محورياً في تطوير الطاقة النظيفة على مستوى العالم. ويشير بعض الباحثين إلى أن الصين قد انتقلت من مرحلة "السعي وراء الحداثة" إلى مرحلة " بناء الشكل المستقبلي للحداثة". وفي المقابل، تعاني المجتمعات الغربية من جملة من التحديات، مثل الركود الاقتصادي، واختلال الممارسة الديمقراطية، والانقسامات العرقية، كما تواجه تراجعاً ملموساً في مجالات الحوكمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وفي مواجهة واقع لا يمكن إنكاره، تهاوت فكرة أن "النموذج الغربي هو المسار الوحيد للنجاح والقمة التي ينبغي للعالم الاقتداء بها". وكما تشير شبكة عالمية مستقلة ومنظمة غير ربحية ذا كونفرسيشن (The Conversation) الأسترالية، فقد حققت الصين تحولاً لافتاً عبر تبنيها مسارها الخاص، وهو ما يُعدّ واقعاً يدحض أطروحة نهاية التاريخ بصورة واضحة.
إن التحول في نظرة الشعوب الغربية للصين أمر لافت للنظر . فقد كشف استطلاع للرأي أجرته مؤسسة غالوب عام 2026 أن مستوى القبول تجاه الصين يتفوق بشكل كبير على الولايات المتحدة، فيما شهدت دول مثل ألمانيا والبرتغال وإيطاليا تراجعاً حاداً في دعمها التقليدي للولايات المتحدة، مقابل ارتفاع مستمر في مستوى الدعم تجاه الصين. ويتجلى هذا التحول بوضوح خاص لدى جيل الشباب في الفضاء الإلكتروني، بدءاً من حالة الهوس العالمي التي أثارتها بثوث صانع المحتوى "آي شو سبيد" (IShowSpeed) من الصين، ووصولاً إلى بروز الروايات والألعاب والمسلسلات الصينية عبر الإنترنت باعتبارها "الثلاثي الجديد" للصادرات الثقافية. كما يمتد هذا التأثير ليشمل صعود دمى "لابوبو" (Labubu) كأحدث صيحة في عالم الموضة، والانتشار الواسع للجماليات ذات الطابع الصيني البحت (hyper-Chinese) على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تواصل إنجازات التحديث والثقافة في الصين كسب إعجاب الشباب الغربي. وقد أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن مستوى التحفظ أو المقاومة تجاه الصين بين الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً يُعد أقل بكثير مقارنة بالفئات العمرية الأكبر سناً. ولقد مكنت الاختراقات التي حققتها الصين في مجالات البرمجيات التطبيقية والمركبات الكهربائية وغيرها من القطاعات التكنولوجية المتقدمة إلى تحرر "صُنع في الصين" من الصورة النمطية المرتبطة بانخفاض الجودة والتقليد، مما يواصل جذب اهتمام الشباب الأمريكي.
أصبح نجاح النموذج الصيني حقيقةً واضحة لا يمكن تجاهلها، أشبه بـ"الفيل في الغرفة"، غير أن الإقرار بانتهاء "نظرية نهاية التاريخ" لا يزال يثير قدراً من الانزعاج والقلق لدى البعض. إذ يلجأ بعض صنّاع الرأي إلى وصف الصين بأنها "تهديد" أو "قوة مزعزعة للاستقرار" أو أنها تتجه نحو "انهيار" وشيك، وذلك تحديداً كوسيلة للتعامل مع القلق الناجم عن هذا الإخفاق. وفي عام 2025، لاقى مقال بعنوان "إعادة التفكير الكبرى: ما الذي ينبغي للغرب أن يتعلمه من الصين؟" صدىً واسعاً في الأوساط الغربية، حيث جادل المقال بأن التصورات التي طالما تبناها الغرب قد انفصلت عن واقع العالم، وأن حالات الإنكار والتهرب وردود الفعل المدفوعة بقلق مفرط، وهي سمات شائعة في الخطاب الغربي، لم تكن سوى أعراض لهذا الخلل في الإدراك. والآن، يواجه الغرب خياراً حاسماً: إما الخضوع لعملية مؤلمة لإعادة البناء الفكري، أو التشبث بأوهام مريحة.
تُعيد أزمة التصورات هذه إلى الأذهان صورة الصين في حقبة ما بعد "حرب الأفيون". ففي ذلك الحين، حينما فُتحت أبواب الصين قسراً بفعل الزوارق الحربية الغربية، عانت البلاد لأكثر من قرن من اضطرابات أيديولوجية وتجارب سياسية مؤلمة قبل أن تهتدي إلى المسار الصحيح للمضي قدماً. وبينما كان الغرب يتربع على قمة التكنولوجيا والصناعة العالمية، عملت الصين التي كانت متأخرة آنذاك على استعادة قدرتها التنافسية الصناعية بفضل جهود وكدّ أجيال متعاقبة. ومع ذلك، يظل هناك فارق جوهري، فسواء تعلق الأمر بمجال الأفكار والخطاب العام أو بالسياسات الاقتصادية، لم تلجأ الصين قط وهي الأمة التي طالما اعتزت بقيم "الانسجام كفضيلة عليا" وفلسفة "صقل الذات في المحن ونفع العالم في الرخاء" إلى تشويه سمعة الآخرين أو إغلاق أبوابها لمجرد أنها واجهت صعوبات في المنافسة. بل على العكس من ذلك، عكفت على مراجعة عثراتها بعمق، وتعلمت بعقل منفتح، وسعت بجد ومثابرة، وانخرطت في تعاون صادق لشق مسار صيني ناجح.
فهل الغرب اليوم مستعد لاتباع مسارٍ عكسي يقوم على "فتح العين على الصين"؟ إن الإجابة عن ذلك ليست لنا أن نتنبأ بها، لكن طريقنا سنمضي فيه بثبات دون تراجع.