25 يونيو 2026/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/ في 23 يونيو، وخلال مؤتمر الحوسبة الفائقة الدولي المنعقد في هامبورغ بألمانيا، أُعلنت قائمة "توب 500" لأقوى الحواسيب العملاقة في العالم، حيث تمكن الحاسوب الصيني "لينغشنغ(LineShine)" من انتزاع المركز الأول. ويُعد هذا الجهاز أول حاسوب صيني يتصدر القائمة منذ عام 2017، وهو مبني بالكامل باستخدام تقنيات محلية وبنية مستقلة وقابلة للتحكم الذاتي.
وفي هذا السياق، علّق جاك دونغارا، الحائز على جائزة "تورينغ" والمؤسس المشارك لقائمة "توب 500" قائلا إن نظام "لينغشنغ" يقدم للعالم رؤية جديدة لبنية الحوسبة الفائقة، عبر الربط بين الحوسبة عالية الأداء والذكاء الاصطناعي الموجه للعلوم "أي آي فورسينس".
يمتاز الحاسوب العملاق "لينغشنغ" بميزتين تقنيتين أساسيتين. أولا، تم تطويره محليا بالكامل باستخدام منظومة تكنولوجية صينية متكاملة. فعلى الرغم من سنوات القيود التي فُرضت على تصدير وحدات معالجة الرسوميات ومعدات تصنيع الرقائق المتقدمة، نجحت الفرق الصينية في بناء سلسلة تطوير متكاملة ومغلقة شملت تصميم الشرائح ودمج الأنظمة وتشغيلها، بما أتاح مستوى متقدما من الاستقلال التقني. ونتيجة لذلك، تمكن "لينغشنغ" من الوصول إلى المركز الأول رغم تعدد القيود والحواجز التكنولوجية.
ثانيا، يُعد "لينغشنغ" أول نظام حاسوبي يحقق أداء في نطاق "الإكساسكيل"باستخدام وحدات المعالجة المركزية (CPU) فقط، متفوقا بنحو 20% على الحاسوب الأمريكي "إل كابيتان". وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه يبرهن على فعالية منظومة حوسبة متكاملة تشمل المعالجات، وأنظمة التخزين، والشبكات البينية، والتبريد، دون الاعتماد على وحدات معالجة رسومية أو تقنيات خارجية تقليدية.
وقبل ذلك، لم تنجح أي دولة في تطوير أسرع حاسوب عملاق في العالم دون الاستناد إلى منتجات شركات مثل "أي أم دي" و"انتيل" و"إنفيديا".
قد يطرح الكثيرون سؤالا حول سبب استغراق تسع سنوات للعودة إلى المركز الأول، وما الذي حدث خلال تلك الفترة. تعود البداية إلى أوائل عام 2015، حين أدرجت وزارة التجارة الأمريكية أربعة مراكز صينية كبرى للحوسبة الفائقة مرتبطة بنظام "تيانخه-2" ضمن قوائم الحظر التجاري.
وفي السنوات اللاحقة، توسعت القيود الأمريكية تدريجيا بذريعة مخاوف الأمن القومي. ففي عام 2019 استهدفت شركتين صينيتين بارزتين في مجال الحوسبة الفائقة، هما "سوغون"و"سنواي"، ثم أُضيفت سبع كيانات أخرى في عام 2021 إلى القائمة السوداء.
ومع ذلك، لم تنجح هذه القيود المتتالية في كبح مسار التطور الصيني، بل على العكس، دفعت القطاع إلى تسريع بناء قدراته الذاتية وتعزيز منظومات البحث والتطوير المحلية. ويقدم صعود "لينغشنغ" مجددا إلى القمة إجابة عملية واضحة. مفادها أن سياسات الحصار لم توقف موج التطور التكنولوجي الصيني، بل على النقيض تسهم في تسريع اعتماده على الذات.
إن عودة الصين إلى صدارة الحوسبة الفائقة عالميا لا تعكس فقط تطور قدراتها في الابتكار التكنولوجي المستقل، بل تفتح أيضا آفاقا جديدة للتنمية الصناعية على المستوى العالمي. فالحوسبة الفائقة أصبحت اليوم بنية أساسية في مجالات متعددة تشمل علوم المناخ والمحيطات، والمحاكاة الهندسية، وعلوم المواد، واكتشاف الأدوية، وعلوم الدماغ، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث العلمي، ومعالجة النماذج الضخمة. وفي السابق، تركزت هذه القدرات في عدد محدود من الدول الغربية، ما جعل العديد من الدول النامية تعتمد على مصادر محدودة وتواجه قيودا تقنية في الاستخدام. كما يقدم المسار الذي سلكته الصين في تطوير القدرات الحاسوبية نموذجا لدول الجنوب العالمي يتحرر من القيود الخارجية، ويتمتع بالقدرة على التطوير الذاتي المتواصل.
لا يُنظر إلى التقدم التكنولوجي الصيني بوصفه مشروع مواجهة جيوسياسية، بل باعتباره استجابة لحاجات التنمية الداخلية وتحسين حياة 1.4 مليار نسمة، إلى جانب الإسهام في معالجة التحديات العالمية مثل تغير المناخ والصحة العامة. وينطبق هذا المنطق على الحوسبة الفائقة كما ينطبق على تقنيات الجيل الخامس (5G)، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الفضاء، والطاقة الجديدة.
ولو تتخلّى الولايات المتحدة عن منطق الهيمنة التكنولوجية وتتعامل مع التطور الصيني بعقلية منفتحة، ستبرز آفاقا واسعة للتعاون في مجالات مثل حوكمة الذكاء الاصطناعي، وتغير المناخ، والصحة العالمية. فقد شهد الابتكار التكنولوجي في الصين خلال السنوات الأخيرة طفرة ملحوظة، مع انتقال تدريجي من النمو الكمي إلى التحول النوعي، ومن الحلقات المتوسطة إلى الحلقات المتقدمة في سلاسل القيمة العالمية. كما ارتفع ترتيب الصين في مؤشر الابتكار العالمي من المركز 34 عام 2012 إلى المركز العاشر في 2025. والأهم من ذلك، أن الصين لا ترى أن التفوق التكنولوجي يمثل مبررا للانغلاق، ولاتنظر إلى القيود الخارجية ذريعة للاستسلام والتراجع عن الابتكار.