بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين 69.57 تريليون يوان خلال النصف الأول من العام الحالي، بحسب تقديرات أولية كشفتها بيانات صادرة عن المكتب الوطني للإحصاء بتاريخ 15 يوليو الجاري. وسجّل الاقتصاد الثاني عالميا خلال الأشهر الست الأولى من العام نموا سنويا عند 4.7%.
وجاءت هذه الؤشرات متوافقة مع الهدف السنوي الذي حدّدته الحكومة، كما مثلت الزيادة البالعة 3.6 تريليون يوان مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي أكبر قفزة يحققها الاقتصاد الصيني خلال السنوات الخمس الأخيرة.
وقد ضخت المؤشرات الحديثة جرعة من التفاؤل في الأسواق بشأن الاقتصادي الصيني، خاصة في ظل التداعيات الثقيلة للصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي.
ويرى خبراء أن قدرة الاقتصاد الصيني على الحفاظ على الاستقرار ومواجهة الصدمات، تمثل معيارا أساسيا لتقيم قوته الداخلية. ولعل أبرز المتغيرات المؤثرة في المشهد الدولي هذا العام هو الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، الذي اندلع في أواخر فبراير ولا تزال تداعياته متواصلة. حيث أدى إلى ارتفاع أسعار النفط واضطراب الأسواق وزيادة المخاوف بشأن أمن إمدادات الطاقة في العديد من الدول.
ورغم البيئة الدولية المعقدة، إلا أن العديد من التحليلات الدولية، بما فيها تقارير لوسائل إعلام أمريكية وأوروبية، خلصت إلى أن إمدادات الطاقة المحلية في الصين، قد ظلت أقل تأثرا نسبيا بهذه الاضطرابات، في حين أسهم النمو السريع لصادرات الصين من منتجات الطاقة الجديدة في توفير حلول مهمة للدول التي تسعى إلى تسريع تحولها في مجال الطاقة.
كما توقف العديد من المراقبين عند بيانات التجارة الخارجية الصادرة في 14 يوليو. ففي النصف الأول من العام، ارتفعت واردات الصين بنسبة 22.1%، متجاوزة نمو الصادرات بـ8.7 نقاط مئوية، وأسهمت في دفع نمو التجارة الخارجية بوتيرة أسرع من الصادرات.
وتعكس هذه الأرقام بوضوح حجم السوق الصينية وإمكاناتها الكبيرة، حيث تعد الصين أكبر قوة صناعية وثاني أكبر سوق استهلاكية في العالم. وهوما يطمئن الاقتصاد العالمي، بتراجع مخاطر اضطراب سلاسل التوريد العالمية، وازدياد فرص النمو.
وإلى جانب الاستقرار والمرونة، برز الابتكار والجودة كعلامتين مميزتين لآداء مؤشرات الاقتصاد الصيني خلال النصف الأول من العام. فقد أسهمت محركات النمو الجديدة بأكثر من 40% من إجمالي النمو، وتسارعت عملية التحول والارتقاء في الصناعات التقليدية، وارتفعت القيمة المضافة لإنتاج شركات التصنيع عالية التقنية بنسبة 13.3% على أساس سنوي. وحافظت القطاعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل تصنيع الدوائر المتكاملة ومعدات المركبات الذكية، على نمو سريع تجاوز 30%.
وتعكس هذه الأرقام تحول "قوى الإنتاج الجديدة" من مفهوم نظري إلى تطبيقات عملية، بدءا من التنقل الذكي والرعاية الصحية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وصولا إلى الروبوتات الشبيهة بالبشر في قطاع الخدمات والخدمات الحكومية الذكية، بما يبرز القيمة الأساسية للاقتصاد الصيني المتمثلة في الاستثمار في الإنسان.
وفي الوقت نفسه، يشهد نمط الاستهلاك في الصين تحولا نحو مزيد من التنوع والتخصص. فقد أولت الخطة المعلنة حديثا لتوسيع نطاق الاستهلاك، ضمن إطار "الخطة الخمسية الخامسة عشرة"، اهتماما خاصا باستهلاك الخدمات، بما يشمل رعاية المسنين، ورعاية الأطفال، والثقافة والسياحة، والخدمات الصحية، ما يوفر مساحة واسعة أمام نمو الاستهلاك المحلي.
ورغم المؤشرات المبشرة، إلا أن بعض وسائل الإعلام الغربية على قد ركزت اهتمامها على تراجع النمو إلى 4.3% خلال الربع الثاني، مقارنة بـ5.0% أثناء الربع الأول. واعتبرت ذلك تصديقا لتوقعاتها السابقة بتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني.
غير أن هذا الاتجاه ليس خاصا بالصين وحسب، إذ تشير توقعات المؤسسات الدولية إلى أن معظم الاقتصادات الكبرى، قد شهدت درجات متفاوتة من تباطؤ النمو خلال الربع الثاني. واللافت أن صندوق النقد الدولي، رغم خفضه توقعاته للنمو الاقتصادي العالمي، فإنه رفع توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني بمقدار 0.2 نقطة مئوية إلى 4.6%.
وينبه التباطؤ العام في اقتصادات الدول خلال الربع الثاني بأن النمو الاقتصادي يمكن أن يعاني تحديّات ومتغيرات غير متوقعة في ظل بيئة عالمية مضطربة. ومع ذلك، أثبتت تجربة التنمية الصينية قدرتها على مواجهة الصعوبات، مستفيدة من تكامل سوقها الواسعة، ومنظومتها الصناعية المتكاملة، ووفرة الموهب وقدرات الابتكار. وبفضل هذه المقومات، تمتلك الصين القدرة على تحقيق أهدافها التنموية السنوية، ومواصلة الإسهام بمزيد من الاستقرار والنمو والفرص للاقتصاد العالمي.