جولة جديدة من الرسوم الجمركية الأمريكية تعود مرة أخرى. في 23 يوليو الجاري قام مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة بنشر إعلان، تحت ذريعة ما يسمى بـ "العمالة القسرية" لفرض رسوم جمركية تتراوح بين 10% إلى 12.5% على 60 اقتصادًا عالمياً بما في ذلك الصين، لتشمل هذه الرسوم 99.4٪ من السلع التي يتم توريدها للولايات المتحدة. هذه الخطوة هي أحدث تجليات سياساتها الحمائية التجارية، والتي تضر بشكل كبير بأمن واستقرار سلاسل الإنتاج العالمية، وتعطل بشكل كبير النظام التجاري والاقتصادي الدولي، ولا تحظى بشعبية سواء داخليًا في الولايات المتحدة أو على الصعيد الدولي أيضا.
أولًا-- استخدام القانون الداخلي لتجاوز القواعد الدولية، يجعل أمريكا تمشي في طريق أحادي الجانب أكثر فأكثر: هذه ليست المرة الأولى التي تفعل فيها أمريكا هذا الشيء. فمنذ عام 1974، أطلقت أمريكا أكثر من 130 تحقيقًا وفق المادة رقم 301 من قانون التجارة، وكثير من الدول شعرت بمرارة هذا الأمر. منذ تأسيس منظمة التجارة العالمية عام 1995 وحتى 2017، التزمت أمريكا بالقواعد الدولية إلى حد ما، فقد كانت تستخدم تحقيقات المادة رقم 301 من قانون التجارة بشكل أساسي كأداة تمهيدية، حيث تفتح تحقيقاً أوّليّا ثم تنقل الملف إلى إطار منظمة التجارة العالمية للتفاوض بشأنه. لكن منذ أن رفعت الولايات المتحدة شعار "أمريكا أولا" بدأت تتخلص تدريجياً من غطائها المتعدد الأطراف وصارت تعمل وفق هواها فقط. وتُعدّ الرسوم الجمركية الحالية أحدث تجسيد للتحول في استراتيجيتها التجارية من التنسيق متعدد الأطراف إلى العمل الأحادي.
الأدوات القانونية تتبدل وتتنقل، لكن الجوهر يظل ثابتا: في فبراير من هذا العام، قررت المحكمة العليا الأمريكية أن "قانون السلطة الاقتصادية الطارئة الدولية" لا يمنح الرئيس سلطة فرض تعريفات جمركية ضخمة، فسرعان ما لجأ البيت الأبيض للمادة رقم 122 كحل مؤقت، وعندما انتهت صلاحيتها في 24 يوليو، انتقل بسلاسة إلى المادة رقم 301. ومن "قانون السلطة الاقتصادية الطارئة الدولية" إلى "قانون التجارة لعام 1974"، تتغير الأسماء القانونية ولكن جوهر العصا الجمركية يبقى كما هو. وكما قال الممثل التجاري الأمريكي جاميسون غرير، فإن الصلاحيات المحددة التي تستخدمها الحكومة الأمريكية تغيرت، لكن الاستراتيجية التجارية لم تتغير.
ثانيًا-- اتخاذ العمل القسري كذريعة، كي يبعد اللص الشبهة عن نفسه: إذن ما سبب الزيادة في هذه الرسوم هذه المرة؟ تقول الولايات المتحدة إن الاقتصادات المعنية قصّرت في إنفاذ حظر استيراد المنتجات الناتجة عن العمل القسري. والمغزى من ذلك أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة في العالم التي سنّت ونفّذت بفعالية هذا النوع من الحظر، وبالتالي فهي أسمى مرتبة ولها الحق في فرض رسوم على دول أخرى.
حتى الأمريكيون أنفسهم يشعرون أن هذا الرأي غير مقنع. فديزيري لوكليرك، التي كانت مديرة شؤون العمل في مكتب ممثل التجارة الأمريكي، ترى أن قواعد الأدلة في قوانين الاتحاد الأوروبي أكثر صرامة مقارنة بقوانين العمالة القسرية في أمريكا.
من بين 187 دولة عضواً في منظمة العمل الدولية، تُعد الولايات المتحدة واحدة من ست دول فقط لم تصدق بعد على اتفاقية العمل القسري لعام 1930. هي نفسها ترفض القواعد الدولية، ثم تريد أن تكون حكماً عالمياً، فأي منطق هذا؟
والأكثر سخرية في كل هذا أن مشكلة العمل القسري في الولايات المتحدة نفسها ليست بالهيّنة. فوفقاً لإحصاءات "مؤشر العبودية العالمي" الصادر عن المنظمة الحقوقية الدولية "والك فري"، كان هناك حوالي 1.1 مليون شخص يعيشون في ظل العبودية الحديثة في الولايات المتحدة عام 2021. ومن بين 1.2 مليون سجين في جميع أنحاء البلاد، يُجبر حوالي 800 ألف منهم على العمل بشكل متكرر. وفي التحليل النهائي فإن هذه الرسوم الجمركية الأمريكية لا تهدف بأي شكل من الأشكال إلى القضاء على العمل القسري، بل كل ما تريده هو أن تلصق وسم "العمل القسري" بشركائها التجاريين، لتختلق مبرراً أنيقاً لأعمالها الأحادية.
ثالثًا-- الإضرار بمصالح الآخرين دون تحقيق فائدة للنفس، هي صفقة خاسرة تعود بالمضرة على صاحبها: هذه الجولة من التعريفات الجمركية أدخلت المزيد من عدم اليقين في التجارة العالمية ورفعت تكاليف التشغيل الاقتصادي، وكانت الدول النامية الكبرى هي الأكثر تضررًا. في عصر الإنتاج العالمي، غالبًا ما يربط منتج واحد بين مكونات من عدة دول ويمر بعدة مراحل تصنيع، والإجراء الأمريكي سيجعل النزاعات التجارية أكثر تعقيدًا وأصعب في الحل. لذلك، من الطبيعي أن تواجه إجراءات التعريفات الجمركية الأمريكية خلال فترة إعدادها وبعد تنفيذها معارضة قوية من الصين والبرازيل وعدد من حلفاء أمريكا.
الولايات المتحدة نفسها لن تستفيد أيضًا. وفقا لتقديرات معهد السياسات التقدمية الأمريكي أن هذه الجولة من الرسوم الجمركية قد تجعل المستهلكين والشركات الأمريكية يدفعون حوالي 100 مليار دولار أكثر سنويً. كما أظهرت دراسة لبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك أن نحو نصف الشركات الخاضعة للرسوم الجمركية تقوم بتحميل المستهلكين التكاليف الإضافية الناتجة عن تلك الرسوم. في يوم 24 يوليو، رفعت شركتان صغيرتان في الولايات المتحدة دعوى قضائية ضد هذه الإجراءات.
أما فيما يتعلق بوعود إعادة التصنيع فلم تتحقق. تشير بيانات الربع الثاني من 2026 إلى نمو في التصنيع المتقدم المرتبط بالذكاء الاصطناعي، مقابل ركود في بقية فروع التصنيع، وتراجع في الإنشاءات الصناعية والتوظيف. وهكذا، لم تتمكن الرسوم الجمركية من جعل مكانة الصناعة الأمريكية عظيمة مجددا، بل أضحت عبئاً على الأمريكيين أنفسهم.
خلاصة القول، هذه الرسوم الجمركية ليست سوى نهب اقتصادي وتسلط سياسي مقنّع برداء القانون. إن رفع شعار 'أمريكا أولاً' لن ينتهي، وسيناريو استخدام التعريفات الجمركية كأداة للضغط والسيادة على الاقتصاد العالمي كمورد للنهب سيستمر. واليوم، تواصل واشنطن تحقيقاتها بموجب المادة رقم 301 ضد 16 اقتصاداً بتهمة "فائض الإنتاج". إن الطريق إلى تعددية قطبية عادلة ومنظمة، وعولمة جامعة وشاملة للجميع، لا يزال شاقاً وطويلاً. ولكن خيوط اللعبة الجمركية الأمريكية باتت مكشوفة أمام العالم كله.