![]() |
| موقع مشروع مدينة تونغلياو المتكامل لمكافحة التصحر والطاقة الريحية والكهروضوئية في مقاطعة كيزووتشونغ. |
6 أغسطس 2026/صحيفة الشعب اليومية أونلاين/ في السماء، تدور شفرات توربينات الرياح بلا توقف مثل عقارب الزمن، وعلى الأرض تمتد صفوف الألواح الكهروضوئية الزرقاء متجهة نحو الشمس، بينما تستعيد التربة تحتها خصوبتها تدريجيا، فتعود الأعشاب والنباتات إلى النمو. هكذا تقود شركة منغوليا الداخلية لاستثمار الكهرباء وبناء الطاقة الجديدة تجربة تجمع بين إنتاج الطاقة النظيفة واستصلاح البيئة في الأراضي الملحية القلوية المتدهورة بمحافظة كيزووتشونغ التابعة لمدينة تونغلياو في منطقة منغوليا الداخلية، من خلال مشروع متكامل يدمج بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية ومكافحة التصحر.
يقع المشروع في قلب صحراء خورشين، حيث تسود التربة الرملية والملحية القلوية، ويتجاوز الرقم الهيدروجيني (pH) في معظم المواقع 9. وقد عانت هذه الأراضي لعقود من تداخل مشكلتي التملح والتصحر، فضلا عن ضعف قدرتها على الاحتفاظ بالمياه والعناصر الغذائية، الأمر الذي حدّ من جدواها الزراعية. غير أن ما بدا عائقا للتنمية تحول إلى فرصة، فوفرة أشعة الشمس واتساع المساحات غير الصالحة للزراعة وفرت ظروفا مثالية لإنشاء قواعد كبرى للطاقة المتجددة، دون المساس بالأراضي الزراعية الخصبة. وهكذا أصبحت مشروعات الطاقة النظيفة قاطرة لإحياء الأراضي المتدهورة، بدلا من أن تكون مجرد وسيلة لإنتاج الكهرباء.

النباتات تنمو في الأرض القلوية تحت الألواح
ويعتمد المشروع نموذجا مبتكرا للإدارة المتكاملة يقوم على مبدأ "توليد الكهرباء فوق الألواح، والزراعة بين الألواح، ومكافحة التصحر تحت الألواح. ويرتكز هذا النموذج على تحسين التربة وإعادة بناء الغطاء النباتي، دون اللجوء إلى الحواجز الرملية التقليدية. ففي المساحات الواقعة بين الألواح، حيث تتوافر أشعة الشمس بصورة كافية، تُزرع عشبة يانغتساو التي تُستخدم علفا للماشية، بينما تُزرع تحت الألواح، حيث تقل شدة الإضاءة، أنواع محلية مقاومة للملوحة والجفاف، مثل الساليكورنيا، وحشيشة القمح البرية، والقصب.
ولا تقتصر المعالجة على زراعة النباتات، بل تشمل أيضا تحسين خصائص التربة باستخدام الجبس الناتج عن إزالة الكبريت والأسمدة العضوية، بما يسهم في خفض ملوحة التربة وتعزيز تعافي النظام البيئي. أما المناطق المحيطة بتوربينات الرياح فتخضع لخطة الاستصلاح البيئي الموحدة المطبقة في المنطقة، من دون الحاجة إلى إجراءات خاصة.
ويقوم هذا النموذج على علاقة تكاملية بين الطاقة المتجددة واستعادة البيئة. فمن الناحية البيئية، تؤدي هياكل تثبيت الألواح الشمسية والألواح نفسها دور حاجز طبيعي يخفف سرعة الرياح القريبة من سطح الأرض، ويحد من تعرية التربة ويقلل من حركة الرمال. كما يخفف ظل الألواح من تبخر الرطوبة، ويحسن المناخ المحلي، ويوفر ظروفاً أكثر ملاءمة لنمو النباتات واستقرار التربة. وفي المقابل، فإن إنشاء مشروعات للطاقة المتجددة بمعزل عن الاعتبارات البيئية قد يؤدي إلى الإضرار بسطح التربة وزيادة مخاطر زحف الرمال.

التوربينات والألواح الشمسية والأرض الخضراء في صورة واحدة
أما من الناحية الاقتصادية، فتولد محطات الطاقة الشمسية عائدا ماليا مستقرا يُخصص لتمويل أعمال استصلاح الأراضي وإدارة الغطاء النباتي وصيانته على المدى الطويل. وبهذا تتكامل الحماية الفيزيائية التي توفرها الألواح مع التثبيت البيولوجي الذي تؤمنه النباتات، لتنشأ دورة تنموية مستدامة، تدعم فيها الطاقة النظيفة استعادة البيئة، بينما توفر البيئة المستعادة الظروف اللازمة لاستدامة مشاريع الطاقة.
وقد بدأت نتائج هذا النموذج بالظهور على أرض الواقع، إذ تم حتى الآن استصلاح 142 ألف مو من الأراضي الرملية ضمن المرحلة الأولى من المشروع، وارتفع متوسط الغطاء النباتي في منطقة المشروع إلى 47.3%، مع تحسن متواصل في البيئة الإيكولوجية وعودة تدريجية للتنوع البيولوجي. وتهدف المرحلة الأولى إلى إنشاء قدرة إنتاجية تبلغ 1.1 غيغاواط، مع استصلاح 164 ألف مو من الأراضي الرملية، بينما تصل القدرة المخطط لها للمشروع بالكامل إلى 3.5 غيغاواط، تشمل 1.2 غيغاواط من طاقة الرياح و2.3 غيغاواط من الطاقة الشمسية.
ولا يقتصر تطبيق هذا النموذج على الأراضي الملحية القلوية، بل يمتد أيضا إلى المناطق الصحراوية النموذجية. ففي الجزء الثاني من مشروع تونغلياو المتكامل، الواقع في محافظة زالوت عند الحافة الشمالية لصحراء خورشين، يجري تنفيذ مشروع بقدرة 550 ميغاواط داخل بيئة صحراوية يغلب عليها انتشار الكثبان الرملية الثابتة وشبه الثابتة، مع نشاط ملحوظ لحركة الرمال.
ويعتمد هذا المشروع مبدأ "تثبيت الرمال أولاً ثم التخضير"، ويتم إنشاء حواجز من مربعات القش لتثبيت الرمال المتحركة، قبل زراعة أنواع محلية مقاومة للجفاف، مثل الكاراغانا صغيرة الأوراق وعشبة يانغتساو المستخدمة علفا للأغنام، وغيرها من النباتات المحلية القادرة على التكيف مع البيئة الصحراوية، بما يضمن استدامة نتائج مكافحة التصحر.
كما يلتزم المهندسون بمبدأ "تحديد حجم التشجير وفق الموارد المائية المتاحة"، مع استخدام تقنيات موفرة للمياه وحافظة للرطوبة، وتطبيق حلول تختلف باختلاف طبيعة كل موقع. وفي الوقت نفسه، تحقق المساحات الصحراوية استخداما مزدوجا. فالألواح الشمسية تحسن المناخ المحلي وتحد من تبخر المياه، بينما تتيح زراعة الأعلاف والنباتات الأخرى تحتها الجمع بين استعادة البيئة وتنمية الصناعات المرتبطة بها، فضلا عن توفير فرص عمل جديدة وزيادة دخل السكان المحليين، لتتحول الأراضي التي كانت تعاني من التصحر إلى فضاء يجمع بين إنتاج الطاقة النظيفة واستعادة البيئة وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ولا تكمن قيمة هذا النموذج في إنتاج الطاقة النظيفة أو استصلاح الأراضي المتدهورة فحسب، بل في قدرته على الجمع بينهما ضمن دورة تنموية مستدامة، تُعيد الحياة إلى الصحارى والأراضي المتملحة، وتحولها إلى مصدر للطاقة والثروة والغطاء النباتي. وفي مواجهة تحديات تغير المناخ والتصحر، يقدم هذا النموذج الصيني للعالم تجربة عملية تؤكد أن حماية البيئة والتنمية الاقتصادية ليستا مسارين متعارضين، بل يمكن أن يشكل كل منهما قوة دافعة للآخر، وأن الأراضي المتدهورة والصحارى ليست قدرا محتوما، بل يمكن إحياؤها من جديد لتصبح ركيزة للتنمية الخضراء والمستدامة.