شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>أخبار الصين

فهم الاقتصاد الصيني (25): هل يعكس ارتفاع أسعار البيض، مشكلة في آداء الاقتصاد الصيني؟

2026-08-07 13:01:43   

ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير صحفي حديث، أن أسعار البيض في الصين، تشهد على حد قولها "أعلى مستوى منذ 10 سنوات"، و"ارتفاع صاروخي"، واصفة وضع المستهلك ب"المعاناة"، و"المؤلم". بما يوحي للقارئ الغربي بأن الصينيين لم يعودوا قادرين على تحمل تكلفة البيض، وأن الاقتصاد الصيني يواجه أزمة. غير أن هذه الصورة، التي تبدو في ظاهرها معنية بمعيشة المواطنين، لا تعكس الواقع الذي يعيشه المستهلك الصيني، بقدرما هي عملية تضليل للقارئ الغربي.

وتشير بيانات وزارة الزراعة والشؤون الريفية إلى أن متوسط سعر الجملة للبيض على المستوى الوطني بلغ خلال الأسبوع التاسع والعشرين من عام 2026 (بين 13و19 يوليو) نحو 9.93 يوان للكيلوغرام الواحد، بزيادة 4.1% مقارنة بالأسبوع السابق و42.3% على أساس سنوي.

وفي مدن كبرى مثل بكين وشنغهاي، استقر متوسط السعر في أواخر يوليو عند نحو 5 يوانات لكل نصف كيلوغرام، أي أن سعر البيضة الواحدة لا يزال أقل من يوان واحد. وفي ظل هذه المستويات السعرية، يصعب القول إن البيض أصبح خارج متناول الأسر الصينية، وهو ما يفسر محدودية النقاش حول هذه القضية على منصات التواصل الاجتماعي الصينية، خلافا للصورة التي حاول التقرير رسمها.

هل تشهد أسعار أسعار البيض ارتفاعا بالفعل؟ نعم، لكنها لا تعني بالضرورة وجود خلل في الاقتصاد، إذ لا توجد نظرية اقتصادية تربط سلامة الاقتصاد بانخفاض الأسعار أو استقرارها الدائم، فلكل سلعة دورتها الخاصة. ويعود الارتفاع الأخير في أسعار البيض إلى مجموعة من العوامل المرتبطة بالعرض والطلب. ففي عام 2025، تراجعت الأسعار بنسبة 13.55% مقارنة بعام 2024، الأمر الذي دفع كثيرا من المربين إلى تقليص أعداد الدجاج البياض وتأجيل تجديد القطعان، ما انعكس على حجم المعروض خلال العام الحالي.

كما أدى دخول فترة "سانفو"، وهي أشد فترات الصيف حرارة في الصين، إلى انخفاض مؤقت في معدل إنتاج البيض. وفي المقابل، ارتفع الطلب مع بدء تجديد المخزونات في جنوب الصين عقب انتهاء موسم الأمطار، إلى جانب الاستعدادات المبكرة لـ"مهرجان منتصف الخريف". ومن ثم، فإن ارتفاع الأسعار يعكس في جوهره تفاعلات طبيعية بين العرض والطلب، ولايعدّ مؤشرا على أزمة اقتصادية ما.

وتبقى تأثيرات أسعار البيض على الأسر الصينية، خاضعة لقدرة السوق على توفير الإمدادات. فالصين هي أكبر منتج للبيض في العالم، بإنتاج سنوي يقارب 30 مليون طن، فيما تتجاوز حصة الفرد من المعروض ضعف المتوسط العالمي، ويزيد عدد الدجاج البياض على 1.3 مليار دجاجة. ويتيح هذا القطاع الزراعي، القائم على قاعدة إنتاج واسعة وآليات سوق مرنة، استجابة سريعة لمؤشرات الأسعار وزيادة المعروض عند الحاجة. لذلك، تبدو صورة "الارتفاع الصاروخي" التي روجت لها بعض التقارير الإعلامية الغربية أقرب إلى المبالغة منها إلى وصف واقع يواجهه المستهلك الصيني.

تعكس حساسية صحيفة "نيويورك تايمز" تجاه أسعار البيض ما شهدته الولايات المتحدة نفسها خلال السنوات الأخيرة. فمنذ عام 2022، أدى تفشي إنفلونزا الطيور إلى اضطرابات حادة في الإمدادات، وقفز متوسط سعر كرتونة تضم 12 بيضة كبيرة في يناير 2023 إلى 4.82 دولار، بزيادة سنوية قاربت 150%، وفق بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي. بعد ذلك، شهدت السوق موجة جديدة من الارتفاع بين أواخر عام 2024 وأوائل عام 2025، مع تفشٍ جديد للمرض وارتفاع الطلب خلال موسم العطلات، فارتفعت أسعار الجملة بنسبة 255%، ووصلت أسعار التجزئة في بعض المدن إلى 10 دولارات للكرتونة، بينما تجاوز المتوسط الوطني 6 دولارات.

كما اضطرت متاجر عديدة إلى فرض قيود على الكميات المسموح بشرائها بسبب تكرار نفاد المخزون، حتى إن مستخدمين على مواقع التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة علقوا مازحين بأن "حرية تناول البيض المقلي" أصبحت رمزا جديدا للمكانة الاجتماعية.

ليس هذا أول تفسير تقدمه الصحيفة لتقلبات أسعار المواد الغذائية في الصين. فقبل فترة قصيرة، اعتبرت انخفاض أسعار لحم الخنزير دليلا على ضعف إنفاق المستهلكين و"نذير سيء للاقتصاد الصيني". واليوم تصف ارتفاع أسعار البيض بأنه "يسحق المستهلكين". وبعبارة أخرى، سواء ارتفعت الأسعار أو انخفضت، فإن النتيجة في روايتها واحدة. ويعكس ذلك توجهاً لتسييس التقلبات الدورية في الأسعار وتقديمها بوصفها مؤشرا على أزمة اقتصادية.

ولعل تعليق أحد مستخدمي الإنترنت في الصين يلخص هذه المفارقة بقوله: "لقد أصابني الأمر بذعر شديد لدرجة أنني سارعت إلى شراء بيضتين مطهوتين بصلصة الصويا لتهدئة أعصابي". وتعكس هذه الدعابة ثقة المستهلك الصيني في سوق تتميز بتنوع المنتجات وشفافية الأسعار، مدعومة بمنصات التجارة الإلكترونية وخدمات التسوق المجتمعي والبقالة عبر الإنترنت، فضلا عن تعدد مصادر البروتين المتاحة. ولذلك، قد يتذمر المستهلكون من ارتفاع السعر بضعة سنتات، لكن من الصعب اعتبار ذلك "ضربة ساحقة" كما صوّرتها بعض وسائل الإعلام.

لا تمثل تقلبات أسعار البيض ليست سوى جزء من الضغوط التي تواجهها أسواق الغذاء عالميا. غير أن الصين، بفضل قدراتها الإنتاجية الكبيرة وكفاءة شبكات التوزيع ومرونة منظومة الإمداد، قد نجحت في الحد من أثر معظم الصدمات الخارجية وضمان استقرار إمدادات الغذاء. لذلك، فإن تضخيم الارتفاع الأخير في أسعار البيض لا تعكسه البيانات، كما يغفل قدرة السوق الصينية على التكيف مع التقلبات الدورية. ومن هذا المنطلق، يصعب اعتبار أسعار البيض مؤشرا كافيا للحكم على أداء الاقتصاد الصيني أو مستوى معيشة مستهلكيه.