![]() |
منذ مطلع العام الجاري، اتخذت مختلف المناطق والقطاعات في الصين حزمة من التدابير الاستباقية لمواجهة التحديات وتعزيز مسار التنمية عالية الجودة، ما أسهم في بروز محركات جديدة للنمو وتحسن هيكل الاقتصاد. وخلال النصف الأول من العام، حافظ الاقتصاد الصيني على استقراره العام، مسجلاً نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة %4.7 على أساس سنوي، وهي من المعدلات المرتفعة بين الاقتصادات الكبرى في العالم. وفي الوقت نفسه، حافظت المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، بما فيها الأسعار والتوظيف وميزان المدفوعات، على استقرارها بشكل عام. كما ارتفعت أرباح المؤسسات الصناعية الكبرى بنسبة18.7 %، فيما نمت إيرادات الميزانية العامة للدولة بنسبة4.7 %، فضلاً عن استمرار تحسن ربحية الكيانات الاقتصادية في السوق.
يمر الاقتصاد الصيني حاليًا بمرحلة مفصلية، تتزامن فيها عملية التحول من محركات النمو التقليدية إلى محركات جديدة، مع إعادة تشكيل نموذج التنمية. ومن ثم، فإن تقييم أداء الاقتصاد الصيني لا ينبغي أن يقتصر على معدلات النمو قصيرة الأجل، بل يتعين أن يأخذ في الاعتبار مؤشرات أوسع، تشمل جودة النمو وكفاءته، والقدرة على الابتكار التكنولوجي، وتطور الصناعات، وحيوية الشركات. وعند النظر إلى الاقتصاد الصيني من زاوية الجودة والكفاءة، ومن منظور طويل الأمد، يتضح أن التنمية الاقتصادية في الصين تشهد تغيرات عميقة، وتُظهر مرونة وحيوية لافتتين.
تتحول الابتكارات التكنولوجية في الصين بوتيرة متسارعة إلى قوة دافعة لتعزيز القدرة التنافسية الصناعية. فمنذ مطلع العام، أحرزت الصين تقدمًا ملحوظًا في عدد من المجالات الحيوية، من بينها الدوائر المتكاملة، إلى جانب سلسلة متواصلة من الإنجازات في قطاعي المستحضرات الدوائية المبتكرة وصناعة الطيران والفضاء. وفي النصف الأول من العام، سجلت القيمة المضافة للإنتاج في قطاعي تصنيع المعدات والصناعات التحويلية عالية التقنية نمواً بنسبة 9.3% و13.3% على التوالي. وتُعد الروبوتات الصناعية والجراحية وروبوتات التنظيف والروبوتات المحاكية للأنظمة الحيوية منتجاتٍ نموذجيةً تعكس "التصنيع الذكي في الصين"، إذ تقود تقنيات الذكاء الاصطناعي التحول المنظم لقطاع التصنيع نحو الذكاء والرقمنة والاستدامة، بالتزامن مع تسارع وتيرة تحديث وتحويل الصناعات التقليدية.
يتواصل تعزز دور الصين كمركز محوري في سلاسل الصناعة والتوريد العالمية. فبفضل التطور المتكامل لسلاسل الصناعة والابتكار، يمكن لمصنع بمنطقة دلتا نهر اليانغتسي تجميع عشرات الآلاف من مكونات مركبة واحدة تعمل بالطاقة الجديدة في مصنع خلال أربع ساعات فقط. ومع التوسع المطرد في صادرات السلع الوسيطة، يعمل النظام الصناعي الصيني الشامل على تعزيز كفاءة الإنتاج العالمي وإضفاء طابع اليقين على الاقتصاد العالمي.
تعمل الشركات الصينية على تجديد حيويتها من خلال التحول الرقمي، إذ تستفيد بعض الشركات من توظيف البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي لتحسين جدولة الإنتاج ورفع كفاءته، مع اعتماد أساليب إنتاج مرنة تتيح تلبية الطلبات الفردية والمتنوعة، كما يسهم الربط الرقمي بين حلقات الإنتاج والخدمات اللوجستية والاستهلاك في تعزيز كفاءة تنفيذ الطلبات وتسريع وصول المنتجات إلى المستهلكين. وتشهد صناعة البناء والتشييد تقدماً في اعتماد أساليب البناء الصناعي. ولا تقتصر التحولات الرقمية على تحسين الكفاءة التشغيلية فحسب، بل تواصل توسيع آفاق نمو الشركات وإطلاق حيوية السوق، لتصبح الرقمنة محركًا مهمًا لتعزيز التنمية الاقتصادية.
يجري احتواء المخاطر ومواطن الضعف الكامنة في أداء الاقتصاد الصيني بصورة منظمة وتدريجية. فمنذ مطلع العام، بدأ سوق العقارات في الوصول إلى مرحلة من الاستقرار التدريجي واستعادة التوازن، حيث انتعشت حركة التداول في سوق المساكن القائمة في بعض المدن من الدرجتين الأولى والثانية، وخفّت حدة الضغوط الناجمة عن المخزون العقاري. وفي الوقت نفسه، يجري استبدال الديون الخفية القائمة للحكومات المحلية بطريقة منظمة، مع استمرار تقليص أعداد أدوات التمويل، والتقدم المطرد في إصلاح المؤسسات المالية الصغيرة والمتوسطة والحد من مخاطرها، مما يضمن الحفاظ الراسخ على خط الدفاع الأساسي المتمثل في منع المخاطر النظامية.
نظّم المجلس الصيني لتعزيز التجارة الدولية (CCPIT) مؤخرًا وفدًا تجاريا لزيارة الولايات المتحدة، في خطوة عكست رغبات وتطلعات الأوساط التجارية في البلدين. وأعربت أوساط الأعمال الأمريكية عن تقديرها الكبير للمزايا التي تتمتع بها الصين في مجالات ناشئة، من بينها التصنيع المتقدم، والذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والحوسبة الكمّية، وعلوم الحياة، داعيةً إلى توسيع التعاون العملي بين البلدين مع الحفاظ على المنافسة الشروعة.
وفي الوقت نفسه، أعرب مسؤولون تنفيذيون في العديد من الشركات الأمريكية العاملة في الصين عن عزمهم تكثيف الاستثمارات والتوسع في الأعمال، مما يمثل "تصويتاً بالثقة" في الصين من خلال خطوات ملموسة.
الاقتصاد الصيني بحرٌ واسع قادر على الصمود أمام الأمواج والعواصف، فعلى مدى أكثر من 40 عامًا من الإصلاح والانفتاح، أسهم اتساع سوق الاستهلاك، واكتمال منظومة التصنيع، وتطور البنية التحتية، ووفرة الكفاءات والمواهب مجتمعةً في إرساء أسس متينة تدعم استمرار الاقتصاد الصيني في اتجاه إيجابي على المدى الطويل. وخلال النصف الثاني من العام، ومع إطلاق المشاريع الكبرى المدرجة ضمن "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" واستمرار مفعول السياسات الاقتصادية الكلية، يُتوقع أن يحافظ الاقتصاد الصيني على أداء ضمن نطاق معقول، وأن يمضي قدمًا نحو تحقيق الأهداف والمهام المحددة للعام بأكمله بسلاسة.