أثارت أنباءٌ يوم الأربعاء أصداءً واسعة في قطاع التكنولوجيا العالمي، بعدما دفعت شركة إتش بي (HP) للحصول على ترخيص عالمي لبراءات اختراع تابعة لشركة هواوي، من بينها براءات تغطي معيار Wi-Fi 7، في حين حصلت هواوي بدورها على حقوق استخدام براءات اختراع عالية القيمة مملوكة لشركة إتش بي، بموجب اتفاق متبادل بين الشركتين.
إن مجرد قيام عملاق تكنولوجي أمريكي بدفع رسوم لشركة صينية أدرجتها واشنطن على "قائمة الكيانات" للحصول على ترخيص لاستخدام تقنياتها، يكفي وحده لكشف خواء الخطاب الصاخب في الولايات المتحدة بشأن "فك الارتباط" مع الصين. ولا يمثل هذا الاتفاق التجاري القائم على المنفعة المتبادلة مجرد تسوية أو تقارب بين شركتين فحسب، بل يقدم أيضًا لمحة عن التقدم اللافت الذي أحرزته الصين في مجال الابتكار التكنولوجي.
يمثل هذا الاتفاق، أولًا، "شهادة" دولية على قدرات الصين في مجال الابتكار. وبالنظر إلى العقود الماضية، فقد بيعت كميات هائلة من المنتجات المصنّعة في الصين في مختلف أنحاء العالم، غير أن الشركات الصينية كانت تضطر في كثير من الأحيان إلى دفع رسوم باهظة لترخيص براءات الاختراع لشركات أجنبية. وكان تجاوز "جدران براءات الاختراع" التي أقامتها شركات أخرى يمثل في السابق خطوة لا غنى عنها أمام الشركات الصينية للتوسع في الأسواق العالمية. وكان من المستبعد جدًا، قبل 20 عامًا، أن يدفع عملاق تكنولوجي أمريكي رسوم براءات اختراع لشركة تكنولوجية صينية، إلا أن هذا الأمر يتحول اليوم بسرعة إلى ممارسة اعتيادية في عالم الأعمال.
وبحلول نهاية عام 2025، كان أكثر من 1.6 مليار جهاز إلكتروني استهلاكي حول العالم، باستثناء الهواتف المحمولة، يستخدم براءات اختراع هواوي المرتبطة بتقنيات Wi-Fi، بما يشمل منتجات علامات تجارية كبرى مثل مايكروسوفت وسوني وأمازون. وباعتبارها ثاني أكبر شركة لصناعة أجهزة الكمبيوتر الشخصي في العالم، لا تستطيع إتش بي (HP) تجنب براءات الاختراع الأساسية المعيارية التي تملكها هواوي إذا أرادت أن تكون منتجاتها قادرة على الاتصال بشبكات Wi-Fi بصورة قانونية.
يقف وراء هذا الاتفاق حكمة تقوم على تحويل المواجهة إلى مصالحة من خلال الاحتكام إلى القواعد. فقد سبق للجانبين أن احتكما إلى القضاء في أوروبا بشأن نزاعهما حول براءات اختراع مرتبطة بتقنيات Wi-Fi، وتؤكد هذه المصالحة حقيقة بسيطة، مفادها أن نزاعات الملكية الفكرية لا بد في نهاية المطاف من تسويتها عبر القواعد والمفاوضات. واللافت أن متحدثًا باسم شركة إتش بي شدد مرارًا، في خضم التنافس التكنولوجي الأوسع بين الصين والولايات المتحدة، على أن الاتفاق ليس سوى "أمر مستخدم على نطاق واسع في القطاع" ولا "يمثل علاقة استراتيجية أو تجارية أوسع".
وتعكس هذه التصريحات الحذرة حالة التأثير الرادع التي تواجهها الشركات الأمريكية حاليًا عند الانخراط في التعاون التكنولوجي مع الصين. لكنها، في الوقت نفسه، تُظهر أن التلاعب السياسي لا يستطيع عرقلة التعاون الذي تدفع إليه قوى السوق واحتياجات الأعمال الحقيقية. فقد تسعى الشركات في خطابها إلى إظهار "تمييز سياسي" في تعاملاتها، لكن من الصعب بدرجة أكبر إخفاء مصالحها التجارية أو التنصل منها.
وخلف مدفوعات إتش بي طويلة الأمد للحصول على تراخيص براءات اختراع من هواوي، تقف الصين التي يشهد ابتكارها تقدمًا متسارعًا وقفزات كبيرة. فقد أظهر مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025 الصادر عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية أن الصين أصبحت واحدة من أكثر 10 اقتصادات ابتكارًا في العالم، وأنها تضم 24 تجمعًا من بين أكبر 100 تجمع للابتكار عالميًا، وهو أكبر عدد تستضيفه أي دولة. كما أصبحت الصين أول دولة يتجاوز عدد براءات الاختراع المحلية السارية فيها 5 ملايين براءة اختراع، في حين احتل عدد طلبات براءات الاختراع الدولية التي تقدمت بها بموجب معاهدة التعاون بشأن البراءات (PCT) المرتبة الأولى عالميًا لسنوات متتالية.
ومن قطاع الاتصالات ومركبات الطاقة الجديدة إلى الخلايا الكهروضوئية والذكاء الاصطناعي، نجحت أعداد متزايدة من الشركات الصينية في الانتقال من مرحلة اللحاق بالركب التكنولوجي إلى منافسة الشركات العالمية على قدم المساواة، بل والريادة عالميًا في بعض المجالات. وأصبحت هذه الشركات جهات فاعلة رئيسية في بناء منظومة الابتكار العالمية وقيادتها.
وعلى نحو أعمق، يشهد التوزيع العالمي للقيمة تحولًا في أنماطه. فقد كانت الشركات الصينية في السابق تدفع صافي رسوم براءات الاختراع، لكنها بدأت اليوم في تحصيل رسوم ترخيص التكنولوجيا بصورة متزايدة ومستقرة. ويمثل هذا التحول في الأدوار، من "دفع الرسوم" إلى "تحصيل الرسوم"، نقطة تحول مفصلية في صعود الصين ضمن منظومة تقسيم العمل الصناعي العالمية. فالمزيد من التقنيات الأصلية التي طورتها الصين، إلى جانب المعايير التي وضعتها الشركات الصينية، يشق طريقه بثبات إلى الأسواق العالمية، ويندمج في الحلقات الأساسية لسلاسل التوريد العالمية.
وفي الوقت نفسه، يُظهر قرار هواوي تحديد رسوم ترخيص معداتها الخاصة بتقنيات Wi-Fi عند 0.5 دولار فقط لكل وحدة أن تحصيل الرسوم ليس الهدف النهائي. فالغاية الأساسية هي إتاحة فوائد الابتكار للمستهلكين في جميع أنحاء العالم، وبناء منظومة صناعية مفتوحة تحقق المنفعة المتبادلة. فالتقنيات الأساسية ذات القيمة الحقيقية لم تكن يومًا وسيلة لإقامة حواجز تهدف إلى احتواء الآخرين، بل قوة دافعة تمكّن القطاع بأكمله من التقدم معًا.
ويمثل الاتفاق بين هواوي وإتش بي تجسيدًا واضحًا لهذا العصر الجديد. فلا يمكن لأي دولة أن تحتكر جميع التقنيات المتقدمة في مختلف المجالات. كما أن "التطور خلف الأبواب المغلقة" ليس مسارًا قابلًا للاستمرار، فضلًا عن أن السعي القسري إلى "فك الارتباط التكنولوجي وقطع سلاسل التوريد" يتعارض بصورة أشد وضوحًا مع الحقائق الموضوعية التي تحكم تطور الصناعات. ويحاول بعض السياسيين الأمريكيين استخدام السلطة الإدارية لتفكيك منظومة التكنولوجيا العالمية، وخلق تكتلات تكنولوجية مصطنعة. غير أنهم لا يستطيعون بسهولة عرقلة سعي الشركات متعددة الجنسيات، القائم على أسس عقلانية، إلى الحصول على التكنولوجيا والوصول إلى الأسواق وتحقيق الأرباح، كما لا يستطيعون تغيير حقيقة أن الصناعات العالمية أصبحت مترابطة بصورة وثيقة.
لطالما دافعت الصين عن نظام عالمي لحوكمة الملكية الفكرية يقوم على مبادئ التشاور الواسع، والمساهمة المشتركة، وتقاسم المنافع. وفي المرحلة المقبلة، ومع مواصلة الصين تعزيز مكانتها كقوة عالمية في مجال الملكية الفكرية، ستصل المزيد من الابتكارات الصينية إلى الأسواق في مختلف أنحاء العالم، لتضخ زخمًا صينيًا جديدًا في منظومة التكنولوجيا العالمية. ويمثل الاتفاق بين إتش بي وهواوي محطة فارقة، لكنه بالتأكيد ليس نقطة النهاية.