شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>أخبار الصين

البريكس والشرق الأوسط: شراكة من أجل التنمية وإصلاح الحوكمة العالمية

2026-09-12 13:15:24   

بقلم: عاصم حنفي، سفير مصر السابق لدى جمهورية الصين الشعبية

شهد تجمع البريكس خلال السنوات الأخيرة تحولاً مهماً في طبيعته وتركيبته ودوره الدولي. فبعد أن بدأ إطاراً للتعاون بين عدد محدود من الاقتصادات الناشئة الكبرى، أصبح اليوم منصة أوسع للتنسيق بين دول الجنوب العالمي، في وقت يمر فيه النظام الدولي بتحولات عميقة، تتداخل فيها الأزمات الاقتصادية والجيوسياسية مع تحديات الطاقة والغذاء والديون والتنمية.

ومن أهم دلالات عملية التوسع انضمام عدد من دول الشرق الأوسط إلى التجمع. فقد أصبحت السعودية ومصر والإمارات وإيران واثيوبيا أعضاء في البريكس اعتباراً من يناير 2024، في إطار توسع عزز الحضور العربي والشرق أوسطي داخله، وأضفى على المجموعة تنوعاً جغرافياً واقتصادياً وحضارياً أوسع. وبالنسبة لمصر، جاء الانضمام الذي دعمته الصين بقوة امتداداً لتوجه يقوم على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز التعاون جنوب–جنوب، وبعد عضويتها في بنك التنمية الجديد الذي يعد الذراع المالي لتجمع البريكس.

وفي الوقت نفسه ، تحرص القاهرة على علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية. وقد أكدت منذ دعوتها للانضمام أن أحد أهدافها الرئيسية يتمثل في دعم التعاون الاقتصادي وإعلاء صوت الدول النامية ومصالحها في النظام الدولي.

لماذا انجذب الشرق الأوسط إلى البريكس؟

لا يمكن تفسير هذا التوجه باعتباره مجرد رد فعل سياسي على التحولات الدولية أو رغبة في الانضمام إلى تكتل جديد. فدول الشرق الأوسط تبحث، بدرجات متفاوتة، عن مساحات أوسع للحركة الاقتصادية والدبلوماسية، وعن أدوات تساعدها على تحقيق استراتيجياتها الوطنية للتنمية والتحول الصناعي والتكنولوجي.

وتتمتع دول المنطقة بمزايا تجعل وجودها داخل البريكس ذا قيمة متبادلة. فهي تقع عند ملتقى آسيا وأفريقيا وأوروبا، وتمثل مركزاً رئيسياً للطاقة والتجارة والممرات البحرية الدولية، كما تمتلك بعضها قدرات مالية واستثمارية كبيرة وأسواقاً واسعة وبرامج طموحة للتحديث الاقتصادي. وفي المقابل، يضم البريكس اقتصادات كبرى ومراكز صناعية وتكنولوجية وأسواقاً ذات نمو مرتفع، بما يفتح المجال أمام علاقات أكثر تنوعاً في التجارة والاستثمار والطاقة والبنية الأساسية والاقتصاد الرقمي.

من هنا، فإن منطق الانضمام بالنسبة لدول المنطقة هو أساساً منطق توسيع الخيارات الاستراتيجية وليس استبدال شراكات بأخرى. وهذه نقطة مهمة لفهم البريكس ذاته: فهو لا يفرض على أعضائه سياسة خارجية موحدة، ولا يلغي علاقاتهم التقليدية مع الولايات المتحدة أو أوروبا أو غيرهما، وإنما يوفر مساحة إضافية للتعاون في نظام دولي يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية.

ماذا كسبت دول الشرق الأوسط؟

 بدأت تظهر فوائد عملية في مجالات التمويل، والتجارة بالعملات المحلية، والاستثمار، والبنية الأساسية، والطاقة، والتكنولوجيا، وتبادل الخبرات التنموية.

وتقدم التجربة المصرية نموذجاً واضحاً. فقد انضمت مصر إلى بنك التنمية الجديد قبل عضويتها الكاملة في البريكس، وأصبح ذلك جزءاً من شبكة أوسع من مؤسسات التمويل التنموي التي تشارك فيها القاهرة. كما شهد التعاون المصري–الصيني خلال السنوات الأخيرة مشروعات كبرى في البنية الأساسية والنقل والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة والطاقة والفضاء، فضلاً عن التعاون المالي وإصدار مصر سندات “الباندا” في السوق الصينية، ما أشار إلى هذه الآليات باعتبارها جزءاً من تعميق الشراكة الاقتصادية والتنموية بين البلدين.

لكن الأهم من كل ذلك أن البريكس يتيح للدول النامية فرصة للمشاركة بصورة أكبر في مناقشة قواعد الاقتصاد العالمي، بدلاً من الاكتفاء بالتكيف معها. وهذه القيمة السياسية والمؤسسية قد تكون، على المدى الطويل، أهم من أي مكسب تجاري مؤقت .

الصين والشرق الأوسط: من العلاقات الثنائية إلى التعاون متعدد الأطراف

تمثل الصين عنصراً رئيسياً في هذه المعادلة. فقد تطورت علاقاتها مع دول الشرق الأوسط خلال العقود الماضية من علاقات يغلب عليها الجانب التجاري والطاقة إلى شراكات أكثر تنوعاً تشمل الاستثمار والبنية الأساسية والتصنيع والتكنولوجيا والتعليم والثقافة ولعل أبرزها في اطار منتدي التعاون الصيني العربي الذي تأسس عام ٢٠٠٤.

وفي إطار البريكس، يمكن لهذه العلاقات الثنائية أن تكتسب بعداً متعدد الأطراف. فبدلاً من اقتصار التعاون على مشروعات منفصلة بين الصين وكل دولة، يمكن تطوير مبادرات مشتركة في مجالات التمويل والتنمية الصناعية والطاقة النظيفة والأمن الغذائي والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي وبناء القدرات.

كما أكدت الصين ومصر في اتصالاتهما الأخيرة أهمية تعزيز التنسيق داخل البريكس والأمم المتحدة ودعم دور الجنوب العالمي والحفاظ على استقرار المنطقة. فالاستقرار طويل الأجل يرتبط بالنمو، وفرص العمل، والبنية الأساسية، والأمن الغذائي والمائي، والتحول التكنولوجي، وتقليل فجوات التنمية. ومن هنا فإن أجندة التنمية التي يتبناها البريكس يمكن أن تكون في حد ذاتها مساهمة في بناء السلام.

نحو بريكس أكثر فاعلية

ومن مصلحة دول الشرق الأوسط أن تساهم بفاعلية في صياغة هذه المرحلة الجديدة، لا أن تكون مجرد أعضاء جدد فيها. ويمكن لمصر، بموقعها العربي والأفريقي والمتوسطي، وللصين بثقلها الاقتصادي والدولي، أن تعملا مع بقية الأعضاء على تطوير البريكس كجسر بين الأقاليم والثقافات، ومنصة للتنمية والتعاون وإصلاح الحوكمة العالمية.

 في وقت يشهد العالم الكثير من الصراعات الجيوسياسية والتجاذبات الاقتصادية والتي تستدعي التشاور والتنسيق بين قادة التجمع اكثر من اي وقت مضي . وفي تقديري الختامي فان المستقبل الذي يحتاجه الجنوب العالمي ليس عالماً من الكتل المتصارعة، وإنما نظاماً أكثر توازناً يسمح بتعدد مسارات التنمية ويحترم خصوصيات الدول ويتيح لها فرصاً أوسع للمشاركة في صياغة القواعد الدولية والملكية المشتركة لمقدرات عالمنا المعاصر . وفي هذا المعنى تحديداً، يمكن أن تكمن القيمة الحقيقية للبريكس في مرحلته الجديدة.