![]() |
تُظهر البيانات أن صادرات الصين من السيارات حافظت على نمو قوي، ففي الأشهر السبع الأولى من هذا العام، صدّرت الصين 6.14 مليون مركبة، بزيادة قدرها 66.8% على أساس سنوي. وقد بلغت صادرات مركبات الطاقة الجديدة 2.909 مليون وحدة، مسجلةً قفزة بنسبة 120% على أساس سنوي. ومع ذلك، تواصل بعض وسائل الإعلام الغربية ترديد النغمة القديمة النشاز ذاتها، زاعمةً أن نمو صادرات الصين من السيارات ناجم عن "الطاقة الإنتاجية المفرطة". إن وجهة النظر هذه لا تعكس فهماً خاطئاً للديناميكيات الكامنة وراء صناعة السيارات فحسب، بل تنطوي أيضاً على تفسير مغلوط لاتجاهات التغير في الطلب بالسوق العالمية.
يُعد صعود صناعة السيارات في الصين، في جوهره، نتيجةً لتحولٍ هيكليٍّ انتقلت فيه محركات النمو في صناعة السيارات العالمية من المصادر التقليدية القديمة إلى الجديدة. ففي حين تتسارع وتيرة تراجع سوق المركبات التقليدية التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، تشهد مركبات الطاقة الجديدة باعتبارها محركاً جديداً للنمو توسعاً هائلاً ومتسارعاً. ويُعتبر الارتفاع السريع في صادرات السيارات الصينية انعكاساً مباشراً لهذا التحول الهيكلي على صعيد التجارة.
لطالما أظهرت دراسات الاقتصاد الصناعي أن كل صناعة تمر بدورة من التطور والارتقاء، تبدأ بمرحلتي النشأة والنمو وتصل إلى مرحلتي النضج والتراجع، وتتخلل هذه العملية بأكملها عملية انتقال من محركات النمو القديمة إلى أخرى جديدة. وخلال فترات الانتقال هذه، يحدث تلازم بين تراجع الطلب على المنتجات التقليدية وتزايد الطلب على المنتجات الناشئة. لذا، لا يعد من الصواب الحكم على وجود "فائض في الطاقة الإنتاجية" في صناعة ما استناداً فقط إلى تقلبات إجمالي الإنتاج عند نقطة زمنية محددة. وتُبيّن "طريقة الناجين" التي وضعها الحائز على جائزة نوبل جورج ستيجلر، أن الشركات الأكثر كفاءة تعمل باستمرار على زيادة حصتها السوقية، في حين تشهد الشركات الأقل كفاءة تراجعاً في حصصها. ويُعد هذا التغير في توزيع الحصص السوقية بحد ذاته اختباراً لكفاءة تخصيص الطاقة الإنتاجية.
يُعد تطور صناعة السيارات في الصين انعكاساً واضحاً للقاعدة المذكورة آنفاً. إن التقلبات التي شهدها سوق السيارات المحلي خلال الفترة من يناير إلى يوليو، مقترنةً بالنمو المتسارع في الصادرات، لا تمثل مجرد تغيرات في أحجام الإنتاج والمبيعات، بل تعكس مرحلة من التحول الجذري في الهياكل الصناعية والإنتاجية والسوقية والمالية. ففي السنوات الأخيرة، ارتفعت نسبة انتشار مركبات الطاقة الجديدة في الصين من 5.34% عام 2020 إلى 47.9% عام 2025. وفي الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، بلغت نسبة انتشار مركبات الطاقة الجديدة 51.2%، في حين تجاوزت نسبة انتشار أنظمة مساعدة السائق المتقدمة من المستوى الثاني حاجز الـ 70%، وهي النسبة الأعلى عالمياً. وتُعد عملية التخلص المتزامن من القدرات الإنتاجية المتقادمة والتوسع في القدرات المتقدمة نموذجاً مثالياً للانتقال نحو محركات نمو جديدة، وليس دليلاً على وجود "فائض في القدرة الإنتاجية" بمعناه الإجمالي.
من منظور تاريخي، لا يُعد الوضع الراهن أمراً غير مسبوق. ففي أعقاب أزمتي النفط خلال سبعينيات القرن الماضي، اكتسبت السيارات اليابانية التي تميزت بمتانتها وكفاءتها في استهلاك الوقود شعبية هائلة في الولايات المتحدة. وقد شهدت صادرات اليابان من السيارات قفزة كبيرة، إذ ارتفعت من حوالي 1.09 مليون مركبة عام 1970 إلى 5.97 مليون مركبة عام 1980، في حين بلغت الصادرات إلى السوق الأمريكية نحو 1.9 مليون مركبة عام 1979، مستحوذةً بذلك على ما يقرب من 20% من سوق السيارات الجديدة في الولايات المتحدة. وفي ذلك الوقت، نددت شركات السيارات في ديترويت بهذا الأمر واعتبرته "إغراقاً للأسواق بالفائض الإنتاجي"، كما طالبت بفرض قيود تجارية. غير أن تلك التدابير فشلت في نهاية المطاف في وقف التحول الذي شهدته صناعة السيارات العالمية، إذ انتقل التركيز من السيارات الفاخرة ذات المحركات الكبيرة إلى الطرازات الاقتصادية الموفرة للوقود. ولا تزال السيارات اليابانية تحتل مكانة بارزة ورئيسية في السوق الأمريكية حتى يومنا هذا. أما اليوم، فقد تغيرت الأطراف الفاعلة، إذ تصدرت الصين المشهد، وتتمثل المحركات الجديدة للنمو هذه المرة في التحول نحو السيارات الكهربائية والتقنيات الذكية.
إن المنطق الكامن وراء تحول محركات النمو واضحٌ بالقدر ذاته. فعلى صعيد الطلب، تعمل الضغوط الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية، وتقلبات أسعار الطاقة، وتزايد تفضيلات المستهلكين لأنظمة التنقل الذكي، على إعادة تشكيل قرارات شراء السيارات لدى المستهلكين حول العالم. أما على صعيد العرض، فقد اتسم تحول قطاعات صناعة السيارات في العديد من الدول بالبطء، في حين لا تزال بعض كبرى الشركات الأوروبية والأمريكية تعاني من خسائر في قطاع السيارات الكهربائية، مما أدى إلى تفويت "نافذة الفرصة" الحاسمة التي أتاحها النمو الهائل للسوق. وفي المقابل، سارعت شركات صناعة السيارات الصينية لسد هذه الفجوة بين العرض والطلب، مستفيدةً من سلسلة توريد هي الأكثر تكاملاً في العالم لمركبات الطاقة الجديدة، ومن حصة سوقية عالمية تتجاوز 65% في مجال بطاريات الطاقة، ومن دورات أسرع لتطوير وتحديث المنتجات، لتقدم بذلك للمستهلكين في الأسواق الخارجية مزايا تنافسية يصعب غالباً على الطرازات المماثلة ضمن الفئة السعرية ذاتها مضاهاتها.
في نهاية المطاف، ينبغي تحديد ما إذا كانت القدرة الإنتاجية للسيارات في بلد ما "مفرطة" بناءً على قدرة السوق العالمية على استيعابها. ولا يزال معدل انتشار مركبات الطاقة الجديدة عالمياً بعيداً كل البعد عن بلوغ سقفه الأقصى. ويُعد النمو المتسارع لصادرات السيارات الصينية دليلاً واضحاً على أن هذه القدرة الإنتاجية المتقدمة ليست "مفرطة"،بل على العكس، لا تزال هناك فجوة كبيرة، والعالم بحاجة إلى هذه القدرة.