خلال لقاءه خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ، مقترحا من أربع نقاط يهدف إلى صون وتعزيز السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. وأكد شي على أهمية التمسك بمبادئ التعايش السلمي، والسيادة الوطنية، وسيادة القانون الدولي، إلى جانب ضرورة تحقيق التوازن بين التنمية والأمن.
ويجسد هذا المقترح الرباعي بوضوح الموقف الصيني الثابت وجهود الصين المتواصلة في سبيل تعزيز السلام، ووقف النزاعات، والدعوة إلى الحوار بوصفه السبيل الأمثل لتسوية الخلافات.
كما يقدم المقترح الرباعي الصيني "حلا صينيا" من أجل مساعدة منطقتي الشرق الأوسط والخليج على تجاوز ظلال الصراعات وتحقيق سلام واستقرار دائمين.
وينظر المجتمع الدولي إلى هذا المقترح باعتباره مبادرة تنطلق من المصالح الجوهرية لشعوب الشرق الأوسط، وتتسم بالواقعية والإنصاف، فضلا عن كونها رافدا يضخ طاقة إيجابية في جهود تحقيق السلام والاستقرار على المستويين الإقليمي والعالمي.
إن استمرار حالة الصراع في الشرق الأوسط تنعكس بشكل مباشر الاستقرار العالمي، وتزيد موجة الاضطرابات الجديدة من تأجيج التداعيات على مختلف الأطراف. حيث تشير تقارير صادرة عن الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي إلى أن الأعمال العدائية الراهنة قد تُشعل فتيل ركود اقتصادي عالمي، وتحدّ من النمو الاقتصادي خلال عام 2026. كما قد تُكبد دول المنطقة خسائر تقارب 200 مليار دولار.
إضافة إلى ذلك، قد تدفع هذه الأوضاع أكثر من 32 مليون شخص حول العالم إلى براثن الفقر. ومن ثم، فإن وقف الأعمال العدائية، وترسيخ اتفاقيات وقف إطلاق النار، والتمسك بالحلول السياسية تمثل الأولويات الأكثر إلحاحا لمعالجة هذه الأزمة، كما تعكس التطلعات المشتركة للمجتمع الدولي.
ويُعد التمسك بمبدأ التعايش السلمي ركيزة أساسية لكسر الجمود الذي يكتنف الأوضاع في الشرق الأوسط وتحقيق سلام واستقرار إقليميين دائمين. فدول الشرق الأوسط والخليج مترابطة ومتكافلة، وهي دول جوار يجمعها مصير مشترك، ولا يمكنها ببساطة أن تنأى بنفسها أو تبتعد عن بعضها البعض.
ومع تصاعد التوتر، تزداد الحاجة إلى ترسيخ قيم السلام وصونها. وقد عملت الصين من جانبها على دعم هذا النهج في المنطقة. فمن تسهيل المصالحة التاريخية السعودية وإيران، إلى تشجيع 14 فصيلا فلسطينيا على إجراء حوارات للمصالحة والتوقيع على "إعلان بكين"، وصولا إلى إطلاق مبادرة مشتركة مع باكستان من خمس نقاط لاستعادة السلام والاستقرار في منطقتي الخليج والشرق الأوسط.
كما تدعم الصين الجهود التي تبذلها دول الشرق الأوسط والخليج لتحسين علاقاتها، وتدعو إلى بناء آلية آمنية إقليمية تتسم بالشمولية والتعاون والاستدامة، بما يرسخ أسس التعايش السلمي بين دول المنطقة.
وتعد حماية السيادة الوطنية شرطا أساسيا للحفاظ على السلام وصون الحقوق والمصالح التنموية لدول المنطقة. فالسيادة تشكل الركيزة التي تقوم عليها جميع الدول، ولا سيما الغالبية العظمى من الدول النامية، في وجودها وبقائها، وهي حق غير قابل للانتهاك.
إن شعوب الشرق الأوسط هم السادة الحقيقيون لمنطقتهم، وينبغي أن تُحسم شؤون المنطقة بشكل مستقل من قبل دول المنطقة. ولا ينبغي لأي قوة خارجية أن تسعى إلى اغتصاب هذا الدور، كما لا يجوز لها اللجوء إلى الاستخدام العشوائي للقوة، أو التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، أو انتهاك سيادتها.
ومن الضروري احترام سيادة دول الشرق الأوسط والخليج وأمنها وسلامة أراضيها احتراما حقيقيا، مع توفير حماية فعالة لسلامة أفرادها ومنشآتها ومؤسساتها. وفي هذا السياق، تؤكد الصين دعمها لدول المنطقة في الدفاع عن سيادتها وأمنها وسلامة أراضيها وكرامتها الوطنية، فضلا عن صون حقوقها ومصالحها المشروعة.
ويشكل صون سيادة القانون الدولي ضمانة قوية للحد من انتشار الصراعات في الشرق الأوسط وترسيخ أسس السلام الإقليمي. ويُعد تجاهل بعض الدول للأعراف الدولية أحد الأسباب الجوهرية لاستمرار تصاعد الصراعات وطول أمدها في المنطقة. إذ تلجأ تلك الدول إلى سياسات "الضغوط القصوى" وفرض العقوبات الأحادية الجانب، مقدمة مصالحها الخاصة على المصالح المشتركة للمجتمع الدولي، الأمر الذي يقوض الأسس الجوهرية للتعددية وسيادة القانون الدولي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى صون هيبة القانون الدولي، فلا يجوز التعامل مع النظام الدولي كأداة تُستخدم عند الحاجة، كما لا ينبغي السماح للعالم بالانزلاق نحو "قانون الغاب"، بل يتعين على الجميع التمسك بالنظام الدولي الذي يتمحور حول منظمة الأمم المتحدة القانون الدولي، وبالأعراف الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية استنادا إلى مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
ويحقق التوازن بين التنمية والأمن الاستراتيجية المستدامة لتحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط. فالأمن هو الشرط المسبق للتنمية، في حين تمثل التنمية الضمانة الدائمة للأمن. ومن التعاون في مجال الطاقة النظيفة لتسريع التحول الأخضر، إلى تبادل التقنيات الزراعية التي تساعد على تحويل الصحراء إلى أرض منتجة، تعمل الصين بنشاط على مشاركة خبراتها التنموية مع دول الشرق الأوسط والخليج.
وقد سارعت الصين منذ اندلاع الصراعات في المنطقة، إلى تقديم مساعدات إنسانية طارئة إيران والأردن ولبنان والعراق، مقدمة دعمها المالي للسكان المتضررين من ويلات الحرب. كما تقف الصين اليوم على أهبة الاستعداد لمشاركة الفرص التي يتيحها زخم التحديث لديها مع دول المنطقة، بما يمهد أرضية خصبة لتعزيز التنمية الإقليمية وترسيخ الأمن.
ويمثل المقترح الرباعي الصيني علامة تهدي الطريق نحو السلام في الشرق الأوسط. ففي هذه المرحلة الحرجة التي تمرّ بها المنطقة، تزداد الحاجة إلى أن تبدي جميع الأطراف أعلى درجات الصدق والإخلاص لتوجيه الأوضاع بثبات نحو حل سياسي. وستواصل الصين الوقوف بحزم إلى جانب الحوار السلمي، وإلى جانب العدالة التاريخية، وإلى جانب التقدم البشري.
كما ستعمل الصين جنبا إلى جنب مع الدول ذات التوجهات المماثلة، لبذل جهود متواصلة لتعزيز السلام والاستقرار الدائمين في الشرق الأوسط، بما يسهم في تحقيق السلام والازدهار والتنمية على الصعيد الإقليمي، ويجسد مسؤوليتها كدولة كبرى.