![]() |
أعلنت الإدارة الوطنية للطاقة في الصين في 27 أبريل الجاري، عن أداء تنمية الطاقة الخضراء للصين في الربع الأول من عام 2026: حتى نهاية مارس، بلغت القدرة المركبة للطاقة المتجددة في الصين 2.395 مليار كيلوواط، مسجلة زيادة سنوية بنسبة 22%، وتمثل حوالي 60.4% من إجمالي القدرة المركبة. وارتفع توليد الكهرباء من المصادر المتجددة بشكل مستقر، داعمًا إمدادات الطاقة لجميع القطاعات بشكل قوي. ويعكس الارتفاع المطرد في حصة "الكهرباء الخضراء" الخطوات الثابتة التي تخطوها الصين في مسار تحولها في مجال الطاقة. فالصين التي تسعى بفاعلية نحو تحقيق تنمية "خضراء" وتتبنى الابتكار، لا تكتفي بإضفاء حيوية بيئية على مسيرتها التنموية عالية الجودة فحسب ، بل تضخ أيضاً زخماً قوياً في عملية تحول الطاقة على الصعيد العالمي.
وفي ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بالتغير المناخي، يشهد الوضع العالمي للطاقة عملية إعادة هيكلة عميقة. ويشير أحدث تقرير صادر عن وكالة الطاقة الدولية إلى أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن قطاع الطاقة قد وصلت إلى مستوى قياسي جديد في عام 2025، ما يعكس حجم التحديات الملحة والطبيعة الضخمة لعملية تحول الطاقة العالمي. وفي الوقت نفسه، تسلط الصراعات الجيوسياسية وعدم الاستقرار الإقليمي الضوء على تقلبات جوهرية في إمدادات الوقود الأحفوري التقليدي. وفي مواجهة هذا التحدي المزدوج، المتمثل في التغير المناخي وأمن الطاقة، يتبلور إجماع متزايد الوضوح: تطوير الطاقة النظيفة لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة للبشرية.
في ظل اتجاه الوضع العصري الراهن، تخطط الصين عملية تحولها في مجال الطاقة بعزم استراتيجي راسخ، وتواجه تحديات التنمية من خلال تخطيط منهجي قائم على أسس علمية. وتشمل جهودها تسريع بناء قواعد ضخمة للطاقة الجديدة في المناطق الصحراوية والقاحلة والمقفرة، وفتح ممرات لنقل الطاقة الخضراء، مثل خطوط "نينغشيا-هونان" و"قانسو-تشجيانغ"، إضافة إلى وصلة التيار المستمر عالي الجهد (HVDC) بين "شيتسانغ وقوانغدونغ". كما تعمل على تسريع إنشاء نظام وطني موحد لسوق الكهرباء، والريادة في ابتكار نماذج أعمال جديدة، مثل التوريد المباشر للطاقة الخضراء والشبكات الذكية المصغرة. وتُنفذ الصين هذه الإجراءات خطوة بخطوة، ما يثمر عن نتائج ملموسة على أرض الواقع. وبعد سنوات من التطوير، أصبحت الصين تمتلك أكبر وأسرع نظام للطاقة المتجددة في العالم، حيث تتصدر قدراتها المركبة في مجالات الطاقة الكهرومائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، بفارق ثابت عن الدول الأخرى. وأشارت صحيفة "دير تاغسشبيغل" الألمانية إلى أن الممارسات الصينية في التنمية الخضراء تشكل ركائز حيوية تدعم التحول العالمي نحو مستقبل منخفض الكربون.
تتجاوز قيمة التحول الأخضر مجرد تحسين مزيج الطاقة. إذ تكمن، بشكل جوهري، في استثمار الزخم الناتج عن الانتقال نحو اقتصاد منخفض الكربون لدفع عجلة التجديد والتطوير الصناعي، ما يسهم في تنمية المحركات الذاتية اللازمة لتحقيق تنمية عالية الجودة. ويشير تقرير صادر عن مركز الأبحاث البريطاني المتخصص في الطاقة "Ember" إلى أن العديد من الاقتصادات النامية ظلّت لفترة طويلة عالقة في معضلة بين تحقيق النمو الاقتصادي وحماية البيئة، إلا أن الممارسات الصينية في مجال التنمية الخضراء تقدم نموذجًا عمليًا لحل هذه المعضلة. فمن خلال إعطاء الأولوية لتعزيز منظومتها الصناعية، والتمسك بالابتكار التكنولوجي كمحرك أساسي، واتباع استراتيجية طويلة الأمد، أثبتت الصين أن التحول الأخضر منخفض الكربون يمكن أن يتقدم بتناغم تام مع عملية التحديث الصناعي وتحسين رفاهية المجتمع. وتجسد رحلة مدينة "أولانقاب" في منطقة منغوليا الداخلية نموذجًا حيًا لهذا النجاح، إذ استطاعت المنطقة استثمار مواردها الاستثنائية من طاقة الرياح والطاقة الشمسية لترسيخ مكانتها كمركز رئيسي لقوة الحوسبة. وتمكّنت المبادرة من تمكين الاقتصاد الرقمي باستخدام الطاقة الخضراء، وجذبت العديد من الشركات متعددة الجنسيات لتأسيس عملياتها في المنطقة. ومن خلال التكامل بين الطاقة الكهربائية الخضراء وقوة الحوسبة الذكية، ظهر سريعًا ما يُعرف بـ "وادي السحب العشبي"، مقدمًا نموذجًا عمليًا وقابلًا للتكرار لالتقاء التحول في قطاع الطاقة مع التنمية الصناعية.
تلتزم الصين التزامًا راسخًا بتعزيز مسارها نحو التنمية الخضراء، وتواصل التمسك بمبادئ الانفتاح والشمولية والمنفعة المتبادلة والتعاون القائم على الربح للطرفين، لضمان أن تعم ثمار مبادراتها الخضراء بالنفع على الدول في مختلف أنحاء العالم. وشكّلت مصفوفات واسعة من الألواح الشمسية صينية الصنع في سوريا "محيطًا أزرق"، موفرة إمدادًا مستقرًا من الطاقة لسكان أنهكتهم ويلات الحرب. ودخل مشروع الربط الكهربائي الصيني-اللاوسي بجهد 500 كيلوفولت في لاوس حيز التشغيل رسميًا، بقدرة تمكنه من نقل نحو 3 مليارات كيلوواط/ساعة من الكهرباء النظيفة سنويًا. كما أنجزت شركات صينية مشروع "ميمفيلي" للطاقة الكهرومائية في الكاميرون، مسهمةً ليس فقط في إنارة آلاف المنازل، بل أيضًا في تطوير وتأهيل الكفاءات التقنية المحلية في قطاع الطاقة الكهرومائية. ودعمت الصين طيفًا واسعًا من الدول النامية في تعزيز قدراتها على التحول في مجال الطاقة، محوّلة الطاقة النظيفة إلى منفعة عامة عالمية يسهل الوصول إليها ويتقاسمها الجميع. وأشار محلل الطاقة الدولي ديفيد فيشمان إلى أن الصين تقف في طليعة السباق العالمي نحو التحول إلى الطاقة الخضراء، مؤكدًا أن التقدم في الكهرباء النظيفة سيجلب منافع واسعة النطاق تعم البشرية جمعاء.
تهب الرياح فتتدفق الكهرباء الخضراء، وتنبض الطاقة الحيوية بين أحضان الجبال والبحار. يسجل كل كيلوواط/ساعة من الطاقة الخضراء الخطوات الثابتة التي تخطوها الصين نحو تحولها في مجال الطاقة، ويجسّد الطموح المشترك لبناء "وطن عالمي جميل" تتضافر فيه الجهود. وستواصل الصين خلال مرحلة "الخطة الخمسية الخامسة عشرة" التمسك بمبادئ الانفتاح، والشمول، والمنفعة المتبادلة، والتعاون القائم على الربح للطرفين، معززة بذلك أواصر التعاون مع دول العالم في مجال التحول الأخضر للطاقة، لتتكاتف الجهود في بناء عالم نظيف، وجميل، ومستدام.