د. وليد عبدالله
كاتب وباحث
اشتهرت تونس منذ العصر القرطاجي بزراعة الرمان، وقد وثّقت العديد من الرسوم الفسيفسائية القرطاجية تعلق التونسيين القدماء بهذه الفاكهة. وكان الرمان في الثقافة القرطاجية رمزا للخصوبة والوفرة، وواحدا من الكنوز الطبيعية التي شكّلت الهوية الزراعية لقرطاج في العالم القديم.
وتميّز الرمان التونسي بليونة بذوره وغناه بالعصارة الحلوة وتنوع ألوانه ومذاقه، ما جعله من أبرز المنتجات الزراعية التي صدّرتها قرطاج إلى روما. وقد أطلق عليه الرومان اسم Malum Punicum، أي "التفاح القرطاجي"، بل إن اسمه العلمي اللاتيني، Punica granatum، ظل شاهدا على ارتباطه التاريخي بقرطاج. وبلغت شهرة الرمان القرطاجي أنحاء أوروبا، حتى إن أحد الشعراء الرومان في القرن الرابع الميلادي كتب قائلا: "حينما تأتي، أيها القرطاجي، إلى الشواطئ الإيطالية، فإني أرجوك أن تجود علينا بنصيب من الرمان لنتذوقه".

لوحة فسيفسائية قرطاجية لسلة من الرمّان
وفي زمن مختلف، حملت هذه الشجرة ذات يوم حكمة الفلاح التونسي ودفء المناخ المتوسطي واتجهت شرقا هذه المرّة، وعبرت البحار نحو الصين كهدية صداقة. لتكتب مع الزمن واحدة من أكثر القصص الزراعية والثقافية فرادة بين بلدين متباعدين جغرافيا مثل تونس والصين.
الرمان التونسي… "سفير الصداقة" في الصين
تعود القصة إلى عام 1986، حين أهدت تونس وفدا رسميا صينيا زائرا ست شتلات من الرمان. وبعد وصول الشتلات إلى الصين، نُقلت إلى مدينة شينغيانغ في مقاطعة خنان وسط البلاد، حيث توجد قاعدة زراعية متخصصة في زراعة الرمان ذي البذور الصلبة، وهو الصنف المهيمن تقليديا في الصين.
وقبل ذلك، كانت الصين قد حاولت إدخال الرمان ذي البذور الطرية، لكن محاولات الاستزراع السابقة لم تحقق نجاحا حقيقيا.
واجهت الشتلات التونسية اختبارات البقاء القاسية في بيئة مختلفة تماما عن مناخ شمال أفريقيا الساخن. ولم تحتمل برودة الشتاء في خنان، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون 15 درجة تحت الصفر. ومع أول شتاء، ماتت أربع شتلات. وبدا عويل رياح الشتاء في سهوب خنان الواسعة كأنه يعلن عن نهاية مهمّة الصداقة في مهدها. فيما تم نقل الشتلتين الناجيتين إلى دفيئة زراعية في حكم الموت المؤجل.
هناك بقيت الشتلتان الناجيتان لثلاث سنوات داخل الدفيئة تراقبان العالم من خلف الزجاج، كناج من الغرق بات يهاب لمس الماء. لكن في ذات يوم من عام 1989 تغيّر كل شيء، ليس بالنسبة لمصير الشتلتين التونسيتين وحسب، بل وكذلك لزراعة الرمّان في الصين أيضا. حدث ذلك، حينما زار المهندس الزراعي ليو تشونغ فو الدفيئة، والذي كان قادما من أكاديمية خينان للعلوم الزراعية بتشنغتشو إلى مختبر علوم الغابات بمدينة شينغيانغ. وعندما وقعت عيناه على الشتلتين التونسيتين، أدرك الرجل أنه عثر على كنز زراعي حقيقي، لا مجرد شجرة فاكهة. فالرمان التونسي، خلافا للرمان الصيني التقليدي، يقدّم تجربة استهلاكية مختلفة تماما، بذور طريّة يمكن مضغها بسهولة دون الحاجة إلى لفظها، إضافة إلى مذاق حلو ولون أحمر جذاب.

العالم الصيني ليو تشونغ فو، أب الرمّان طري البذور في الصين
نقل ليو تشونغ فو إحدى الشتلتين إلى مختبره، وبدأ سلسلة طويلة من التجارب الزراعية وبرامج الإكثار استمرت مايزيد عن عشر سنوات. ثم اتجه لاحقا إلى استخدام تقنية "التطعيم القمي"، عبر تطعيم الرمان التونسي على أصول صينية أكثر قدرة على تحمل المناخ المحلي. وقد سمحت هذه التقنية بارتفاع معدلات النجاة وإمكانية التوسع الزراعي. وبحلول عام 2002، اعترفت الصين رسميا بالصنف الجديد تحت اسم "الرمان التونسي ذو البذور الطرية" Punica granatum )(Tunisia.

اسم فصيلة الرمّان التونسي المعترف بها في 2002 على موسوعة بايدو الصينية
منذ ذلك الوقت بدأت رحلة التحول الكبرى لفصيلة الرمّان التونسي داخل الصين. وانتشر الصنف الجديد في مقاطعات عدة مثل خنان وسيتشوان ويوننان وشنشي، لكن محافظة هويلي في مقاطعة سيتشوان تحولت، بفعل ملاءمة المناخ، إلى أكبر قاعدة لإنتاج الرمان التونسي ذي البذور الطرية في الصين.
من ناج من الموت إلى "ملك الرمّان"
يقال في الأدب، "ليس هناك أقوى من رجل عاد من الموت"، وهذه المقولة تنطبق أيضا على قصّة الرمّان التونسي في الصين. فبعد ملحمة التكيف مع التربة والمناخ الصيني التي دامت عقودا، دخل مرحلة التوسع الزراعي ثم النجاح الاقتصادي المدوي. فالصنف التونسي يتميز بالنضج المبكر، وغزارة الإنتاج، والقدرة الجيدة على التخزين والنقل، إضافة إلى ارتفاع قيمته التجارية مقارنة بالأصناف التقليدية.
وتشير بيانات السوق الصينية إلى أن أسعاره تفوق أسعار الرمان ذي البذور الصلبة بنسبة تتراوح بين %40 و%60. وفي بعض المناطق، بات هذا الصنف يشكّل نحو %80 من إجمالي زراعة الرمان، مع نشوء سلسلة صناعية متكاملة تشمل العصائر والنبيذ وزيت البذور ومختلف المنتجات التحويلية.
وبحسب تقديرات أولية لعام 2025، تجاوزت مساحات حقول الرمان التونسي في الصين 40 ألف هكتار، بإنتاج سنوي يفوق مليون طن. كما ساهمت هذه الزراعة في تحسين دخل آلاف العائلات وتنشيط اقتصاد الأرياف. وعلى منصات التجارة الإلكترونية الصينية، كثيرا ما يُسوَّق الرمان التونسي بألقاب دعائية مثل "ملك الرمان" و"رولز رويس الرمان".

تستقبل محافظة هويلي موسم الرمّان في أغسطس من كل عام
لكن هذا النجاح نفسه خلق تحديات جديدة، وتحولت المشكلة من الندرة إلى الوفرة، والصراع من أجل البقاء إلى الهيمنة على السوق. ومع انتشار الصنف التونسي، بدأت تظهر مخاوف من ضعف التنوع الوراثي ومن خطر "الزراعة الأحادية"، وهي المشكلة التي واجهتها منتجات زراعية أخرى في الصين. ولهذا اتجه الباحثون الصينيون إلى تطوير أصناف جديدة مشتقة من الرمان التونسي وأكثر قدرة على مقاومة الأمراض والتغيرات المناخية.
غير أن تطوير أصناف جديدة عملية معقدة وبطيئة. إذ تتطلب زراعة عشرات الآلاف من الشتلات، ثم الانتظار سنوات طويلة حتى تثمر، قبل إخضاعها لعمليات انتقاء دقيقة ومكلفة من حيث الوقت والعمالة.
وفي عام 2024، حقق باحثو الأكاديمية الصينية للعلوم الزراعية بخينان إنجازا لافتا بإكمال أول خريطة جينومية كاملة للرمان. وقد سمح هذا الاكتشاف بتحديد الجينات المسؤولة عن لون القشرة وليونة البذور، ما فتح الباب أمام تطوير أصناف تجمع بين البذور الطرية، ومقاومة التشقق، والنضج المبكر، وارتفاع المحتوى السكري. كما نجح الباحثون في تحسين قدرة الصنف التونسي على تحمل المناخ البارد، ليصبح قادرا على مقاومة درجات حرارة تصل إلى 17 درجة تحت الصفر، وهو ما يعد بتوسيع نطاق زراعته في مناطق جديدة.

من شتلتين صغيرتين كادتا أن تموتا في برد خينان، نما الرمان التونسي في الأرض الصينية وترعرع حتى تحوّلت حقوله إلى غابات ممتدّة وصناعة بمليارات اليوانات. وتروي هذه الرحلة الملحمية، من "حافة الموت" قبل أربعين عاما إلى "ملك الرمان" في الصين اليوم، انتصار القدر لروح الصداقة التونسية الصينية. وتعكس في ذات الوقت، معجزة التحديث الزراعي في الصين ونجاح سياسة إنعاش الأرياف. كما تكشف، من زاوية أخرى، عن وفاء الصين وتقديرها لهذه الهدية التونسية، من خلال الحفاظ على اسم الصنف رغم جهود التكييف الطويلة التي بذلها العلماء الصينيون على مدى أربعة عقود.
الرمان… رمز خالد للصداقة التونسية الصينية
لا تكمن أهمية الرمان التونسي في نجاحه الزراعي فقط، بل أيضا في قدرته على ملامسة معان عميقة داخل الثقافة الصينية.
ويحتل الرمان مكانة رمزية عميقة في الثقافة الصينية، إذ تُقرأ حبّاته الكثيرة المتماسكة بوصفها صورة للعائلة الممتدة والوحدة والترابط، لذلك ارتبط بمعاني الوفرة وكثرة الذرية وازدهار الحياة العائلية. كما تمثل كل حبة رمان، في المخيال الصيني، وعدا بحياة جديدة وإمكانا لمستقبل يتشكل باستمرار، ولهذا يُنظر إلى الرمانة بوصفها هدية تحمل دلالات الخير والنماء واتساع دائرة الحياة. وترمز حمرتها المتوهجة أيضا إلى الحيوية والطاقة الداخلية والقدرة على مواجهة الصعوبات، فيما يرتبط الرمان في الثقافة الصينية بقيم إنسانية راسخة مثل الوحدة والتكافل وتقاسم المصير.

علبة هدايا للرمّان التونسي طري البذور في أحد الأسواق الصينية
ومن جانب آخر، أصبح الرمان التونسي سفيرا زراعيا يروج لتونس في كل أنحاء الصين. فقبل انتشاره في الأسواق، لم تكن تونس معروفة لدى كثير من الصينيين إلا من خلال كرة القدم أو لدى الفئات الأكثر اطلاعا. أما اليوم، فمع حلول موسم الرمان من كل عام، ترى لافتات "الرمان التونسي" حاضرة في الأسواق والمتاجر ومنصات البيع الإلكتروني، وأصبح كثير من الصينيين يتعرفون إلى تونس من خلال هذه الفاكهة. وقد صادفت خلال إقامتي في الصين العديد من الصينيين الذين يتعرفون على تونس من خلال الرمان.
وقد ذكّرتني قصة الرمان التونسي في الصين بقصة العلاقات التونسية الصينية نفسها، التي خصصت لها أطروحتي للدكتوراه. فقد نشأت هذه العلاقات بدورها من حسن النوايا والدعم المتبادل، ثم صمدت بعد تأسيسها أمام المناخ الدولي المعقد واختلاف المسارات، ثم أخذت في التطور حتى بلغت اليوم أفضل مراحلها.
وتكشف قصة الرمان التونسي في الصين كيف يمكن لثمرة صغيرة أن تتجاوز حدود الطبيعة والجغرافيا، لتصنع أثرا ثقافيا واقتصاديا وإنسانيا ممتدا بين شعبين وبلدين. كما تبرز أن تونس والصين ما تزالان تملكان آفاقا واسعة للتعاون والتكامل والازدهار المشترك. وتستحق هذه الثمرة أن تكون رمزا خالدا للصداقة التونسية - الصينية.