بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
تشهد العلاقات الاقتصادية بين الجزائر والصين في السنوات الأخيرة تحولًا نوعيًا متسارعًا، يعكس مستوى متقدمًا من التقارب السياسي والاستراتيجي بين البلدين، ويؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الشاملة القائمة على تنويع مجالات التعاون وتوسيعها خارج الإطار التجاري التقليدي، نحو قطاعات أكثر عمقًا وتأثيرًا.
ويأتي هذا التطور في سياق صعود الصين كأحد أهم الشركاء الاقتصاديين للجزائر في القارة الأفريقية والعالم العربي، حيث لم يعد التعاون مقتصرًا على التبادل التجاري، بل امتد ليشمل الاستثمار والبنية التحتية والطاقة والصناعة والنقل والاتصالات والمشاريع السكنية الكبرى. وقد ساهمت الشركات الصينية بدور محوري في إنجاز مشاريع استراتيجية، من بينها الطرق السريعة والموانئ والمنشآت العمومية، ما عزز الحضور الاقتصادي الصيني داخل السوق الجزائرية.
وفي هذا الإطار، تعمل الجزائر على تنفيذ سياسة اقتصادية جديدة تقوم على إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويعه، مع التركيز على دعم الإنتاج المحلي وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات الجزائرية في الأسواق الخارجية. كما تسعى الدولة إلى توسيع قاعدة الصادرات غير النفطية، وتشجيع خروج المنتجات الوطنية إلى الأسواق الإقليمية والدولية، بما يساهم في تقليل الاعتماد على المحروقات وتعزيز مداخيل الدولة من العملة الصعبة. ويوازي ذلك تحسين بيئة الأعمال، وتطوير المناطق الصناعية، وجذب الاستثمار الأجنبي، بما ينسجم مع أهداف التنمية الاقتصادية طويلة المدى.
ويُنظر إلى الصين في هذا السياق باعتبارها شريكًا استراتيجيًا موثوقًا، نظرًا لما تمتلكه من خبرات تقنية متقدمة، وقدرات تمويلية كبيرة، وتجربة واسعة في نقل التكنولوجيا وتنفيذ المشاريع الكبرى، وهو ما يتماشى مع أولويات الجزائر في مرحلة التحول الاقتصادي الحالية.
كما تبرز الجزائر بوصفها بوابة استراتيجية مهمة نحو الأسواق الأفريقية، بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط بين البحر الأبيض المتوسط وعمق القارة الأفريقية، إضافة إلى حدودها مع عدد من الدول الأفريقية، وامتلاكها موارد طبيعية ضخمة، خاصة النفط والغاز، فضلًا عن سوق داخلية واعدة. ويمنح الاستقرار السياسي الذي تتمتع به البلاد، إلى جانب ثقلها الإقليمي، بيئة مناسبة تجعلها شريكًا جذابًا للمشاريع طويلة الأمد، خصوصًا بالنسبة للاستثمارات الصينية.
وفي سياق متصل، كشفت تصريحات السفير الصيني لدى الجزائر، دونغ قوانغ لي، خلال افتتاح منتدى أفريقيا للاستثمار والتجارة (AFIC 12)، أن حجم المبادلات التجارية بين البلدين تجاوز 15 مليار دولار، بينما بلغت الاستثمارات الصينية التراكمية نحو 7 مليارات دولار. ويعكس هذا الرقم عمق العلاقات الاقتصادية الثنائية، ويؤكد المكانة المتقدمة التي تحتلها الجزائر ضمن الاستراتيجية الاقتصادية الصينية في أفريقيا.
ويتزامن هذا التوسع في العلاقات مع انخراط الصين في مبادرات أوسع نطاقًا على المستوى الأفريقي، من أبرزها سياسة "التعرفة الجمركية الصفرية" التي بدأت بكين في تطبيقها لصالح 53 دولة أفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، بما فيها الجزائر. وتمثل هذه الخطوة تحولًا مهمًا في نمط الانفتاح الاقتصادي الصيني تجاه القارة، إذ تتيح وصول المنتجات الأفريقية إلى السوق الصينية دون رسوم جمركية، ما يفتح آفاقًا جديدة لتعزيز التبادل التجاري وتوسيع قاعدة الاستثمارات.
ومن المتوقع أن تمنح هذه السياسة دفعة إضافية للعلاقات الجزائرية ـ الصينية، من خلال تعزيز الصادرات الجزائرية، وتوسيع الاستثمارات المتبادلة، وتحفيز الشراكات الصناعية والتكنولوجية، بما يساهم في دعم سياسة الجزائر الرامية إلى رفع حجم صادراتها غير النفطية وتعزيز حضور منتجاتها في الأسواق الخارجية، وترسيخ موقعها كمصدر إقليمي واعد.
وفي ضوء هذه التطورات، يُتوقع أن تتجه العلاقات بين البلدين نحو مزيد من العمق والتكامل، مع انتقالها إلى مرحلة أكثر شمولية تشمل الاقتصاد والتكنولوجيا وتنمية الموارد البشرية، وصولًا إلى أبعاد جيوسياسية أكثر وضوحًا. كما يُرجّح أن يشهد حجم الاستثمارات الصينية في الجزائر نموًا متسارعًا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع استمرار جهود الدولة في تطوير مناطق صناعية جديدة، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الانفتاح على الاقتصاد العالمي.
وبذلك، يتضح أن العلاقات الجزائرية ـ الصينية تتطور وفق مسار تصاعدي مدروس، يقوم على تقاطع المصالح الاقتصادية والاستراتيجية، ويعزز من دور الجزائر كجسر اقتصادي مهم بين الصين والقارة الأفريقية، في إطار شراكة مرشحة لمزيد من التوسع والرسوخ في المستقبل.