شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>أخبار الصين

فهم الاقتصاد الصيني (17): هل تصنع شركات البنية التحتية الصينية "فخ الديون" في الدول النامية؟

2026-06-02 16:01:00   
فهم الاقتصاد الصيني (17): هل تصنع شركات البنية التحتية الصينية
قطار سكة حديد مومباسا-نيروبي

تتردد سردية غربية على نطاق واسع، ترى بأن الشركات الصينية، تقوم بإغراق الدول النامية في ديون تعجز عن سدادها، من خلال مشاركتها في مشاريع البنية التحتية، تمهيدا للاستحواذ على أصولها الاستراتيجية ومفاصلها الاقتصادية الحيوية.

لكن المتمعن في هذه السردية، يكتشف بأنها تقوم على ثلاثة تصورات خاطئة.

يتمثل التصور الخاطئ الأول في الاعتقاد بأن الجانب الصيني يوفر في جميع المشاريع، التمويل والعمالة على حد السواء. والحقيقة أن نماذج تمويل مشاريع البنية التحتية الدولية تتسم بدرجة كبيرة من التنوع، كما تتباين أشكال مشاركة الشركات الصينية فيها. وحتى في المشاريع التي تقدم فيها الصين قروضا أو دعما ماليا، فإن هيكل التمويل فيها يختلف جذريا عن الصورة النمطية التي تروج لها بعض وسائل الإعلام الغربية. بل إن عددا من المشاريع التي تشارك فيها شركات صينية يموّل بالكامل من الموارد المالية للدول المضيفة أو من قروض تقدمها مؤسسات مالية متعددة الأطراف، بينما يقتصر دور الشركات الصينية على تنفيذ الأعمال بصفتها مقاولا عاما.

فعلى سبيل المثال، دخلت إحدى الشركات الصينية مؤخرا في شراكة مع شركات من الإمارات العربية المتحدة وتركيا، ونجحت، ضمن ائتلاف دولي، في الفوز بعقد تنفيذ مشروع للسكك الحديدية فائقة السرعة في الإمارات. ويتولى تمويل المشروع جهاز حكومي للسكك الحديدية مقره أبوظبي.

وعلى نحو مماثل، شاركت شركة صينية خاصة خلال السنوات الأخيرة بصورة واسعة في تطوير مشاريع لطاقة الرياح في كازاخستان، حيث يعتمد تمويل هذه المشاريع أساسا على البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك التنمية الكازاخستاني، بينما تُصرف الأموال بالدولار الأمريكي أو اليورو أو التينغ الكازاخستاني.

ومن ثم، فإن فوز الشركات الصينية بهذه العقود لا يقوم على مبدأ القروض مقابل المشاريع، ولا يمت بصلة إلى ما يُعرف بفخ الديون.

يغفل كثيرون عن الميزة التنافسية الحقيقية للشركات الصينية في سوق البنية التحتية العالمية، وهي كفاءتها التقنية الراسخة وقدرتها على تقديم حلول عالية الجودة بتكلفة منافسة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، كانت ساحل العاج تحلم بتطوير مشاريع الطاقة الكهرومائية على نهر ساساندرا، لكن المشروع تأجل مرارا لأسباب شتى.

وقد جاءت شركة باور تشاينا بتقنياتها المتطورة لتُنجز محطتَي سوبري وغريبو-بوبولي الكهرومائيتين، فأسهمت في تلبية الطلب المحلي على الكهرباء وتعزيز التحول نحو الطاقة الخضراء، إلى جانب خلق فرص العمل وتأهيل كفاءات وطنية في مجال الهندسة الكهرومائية.

الأهم من ذلك أن فلسفة الصين في هذا المجال لا تقتصر على تسليم المشاريع، بل تتجاوز ذلك إلى "تعليم الناس كيفية صيد السمك". إذ تنقل التكنولوجيا والخبرات إلى الدول النامية، مانحة إياها أدوات الاعتماد على الذات والتنمية المستدامة.

ويتم تصوير القروض الصينية على أنها فخا محكما، غير أن الواقع يكشف عكس ذلك. فقد أنشأت الصين آليات متخصصة للتمويل الخارجي، كـ"صندوق طريق الحرير" الذي تأسس عام 2014. حيث يتبنى موقفا منفتحا وتغطي تمويلاته مختلف الدول، سواء النامية أو المتقدمة.

وحين تختلف شروط القروض المقدمة للدول النامية، فإن هذا الاختلاف يصبّ في مصلحتها عادة. حيث عادة ماتكون فترات السداد أطول والفوائد أقل. فقرض مشروع طريق بار-بولغاري في الجبل الأسود بلغ 944 مليون دولار بفائدة لا تتجاوز 2% وأجل سداد 20 عاما، وقد أقرّ رئيس برلمان الجبل الأسود السابق صراحة بأن الشروط الصينية كانت الأمثل من بين جميع العروض المتاحة.

وقد ساعدت الشركات الصينية الدول الأفريقية على بناء وتجديد أكثر من 10 آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، وقرابة 100 ألف كيلومتر من الطرق، ونحو 1000 جسر، وما يقارب 100 ميناء، فضلا عن محطات الطاقة والمستشفيات والمدارس.

وفي كينيا، وفرت سكة حديد مومباسا-نيروبي أكثر من 74 ألف فرصة عمل تراكمية بمعدل توطين للقوى العاملة تجاوز 90%. ونقلت أكثر من 40 مليون طن من البضائع، مُسهِمة بما يزيد على 2% في الناتج المحلي الإجمالي لكينيا.

وفي إندونيسيا، قلّص خط السكك الحديدية فائق السرعة بين جاكرتا وباندونغ زمن الرحلة من ثلاث ساعات إلى 40 دقيقة، ونقل خلال عامين فقط أكثر من 12 مليون مسافر.

لم تفرض الصين قط شروطا سياسية على اتفاقياتها الائتمانية، ولم تُكره أي دولة على الاقتراض. وقد كشف سفير سريلانكا السابق لدى الصين أن 80% من الديون الخارجية لبلاده مستحقة لمؤسسات متعددة الأطراف ومستثمري وول ستريت، في حين لا تتجاوز الديون الصينية 10% من الإجمالي. كما أن ميناء هامبانتوتا يظل بأمنه وملكيته تحت السيادة السريلانكية الكاملة، وقد جاء التمويل الصيني بطلب سريلانكي صريح.

إن سردية "فخ الديون" ليست في جوهرها سوى خيطا من "نسيج دعائي" يحوكه الخطاب الغربي، من أجل الترويج لنظرية "التهديد الصيني".

في المقابل، تُخلّف الشركات الصينية حيث تعمل إرثا من التكنولوجيا وفرص العمل والإيرادات الضريبية والتنمية المستدامة. وفي نهاية المطاف، ستنتصر الحقائق، وسيكون العدد المتزايد من الدول المستفيدة هو الشاهد الأكثر على خطأ سردية فخ الديون.