شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>أخبار الصين

فهم الاقتصاد الصيني (23): تفوق الصناعة الصينية لايمكن تفسيره بالدعم الحكومي

2026-07-09 16:48:32   

ناقشت بعض الأوساط السياسية والإعلامية ومراكز الفكر الغربية خلال الفترة الأخيرة، ما اسمته "الدعم الصناعي الصيني الهائل" للمنتجات الصناعية. وتزعم هذه الأوساط أن الصين تقوم بتشويه الأسواق العالمية وتكتسب "ميزة تنافسية غير عادلة" من خلال استخدام دعم حكومي ضخم لخفض أسعار منتجاتها.

ووصل الأمر ببعض الأطراف في الاتحاد الأوروبي للدعوة إلى إقرار قانون عقوبات جمركية ضد الصين، شبيه بالمدة 301 من القانون التجاري الأمريكي.

وخلف هذا الجدل الدائر، يبرز تساؤل جوهري حاسم: ما هو مصدر القدرة التنافسية الدولية الهائلة للصناعات الصينية؟

إن الطلب الكبير على السلع الصينية هو ثمرة سعي الشركات الصينية نحو التميز، وليس نتيجة للدعم الحكومي. حيث تكتفي سياسات الدعم الصناعي في الصين بالتوجيه نحو الالتزام الدقيق بقواعد منظمة التجارة العالمية، والتمسّك بمبادئ الإنصاف والشفافية وعدم التمييز، ولا تتضمن أي أشكال للدعم المحظور.

ولو أخذنا صناعة الطاقة الكهروضوئية، التي كثيرا ما تعتبرها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مثالا عن الدعم الحكومي، سنجد أن نظام الدعم الصيني لهذه الصناعة قد مرّ بدورة كاملة، انتقل فيها من دعم الاستثمار الأولي إلى دعم الكهرباء، وصولا إلى الإلغاء التدريجي التام.

وفي المراحل المبكرة لتطور الصناعة (2009-2012)، استهدف الدعم الحكومي الدفعة الأولى من محطات الطاقة النموذجية في المناطق الصحراوية المحلية، بهدف التحقق من المسارات التقنية. وفي الفترة ما بين 2013 و2018، دخلت الصناعة مرحلة دعم الكهرباء، ومع ذلك تم خفض معدلات الدعم بنسبة تتراوح بين 10% و20% سنويا. وقد صُممت آلية الإلغاء التدريجي هذه لحث الشركات على تسريع وتيرة التحديث التكنولوجي وخفض التكاليف، إذ لم يكن بوسع الشركات التي تعتمد كليا على الدعم تحقيق أي أرباح. وبحلول عام 2021، أُلغي الدعم الحكومي المركزي لمشاريع الطاقة الكهروضوئية الجديدة بشكل تام.

ومن الجدير بالذكر أن القدرات الإنتاجية والطلبات الخارجية لشركات الطاقة الكهروضوئية الصينية لا تستفيد من الدعم المحلي، فهي تتنافس دوليا بالاعتماد كليا على قوتها الذاتية في التحكم بالتكاليف ومزاياها التكنولوجية.

وبنوّه الباحثون إلى أن الدعم الحكومي لايخلق قدرة تنافسية بالضرورة، ويطرح البعض مثالا على ذلك الشركات الأمريكية والأوروبية، التي ضخت حكوماتها مبالغ طائلة في الدعم الصناعي.

وفي هذا الصدد، كشفت صحيفة "فاينانشال تايمز" أنه في حين خصص قانون خفض التضخم الأمريكي تمويلا إجماليا قدره 430 مليار دولار على مدى عشر سنوات، فإن ما يقرب من 40% من المشاريع الاستثمارية الكبرى (التي تتجاوز تكلفة كل منها 100 مليون دولار) المشمولة بالقانون، قد واجهت تأخيرات تزيد عن شهرين أو حتى تعليقا لأجل غير مسمى خلال العام الأول من التنفيذ. إذ لم تترجم هذه النفقات المالية الضخمة إلى القفزة المأمولة في القدرة التنافسية الصناعية.

وفي أوروبا، تم إنشاء صناديق خاصة بمليارات اليوروهات، في إطار مبادرات مثل "قانون المواد الخام الحيوية" و"قانون الصناعة الخالية من الانبعاثات"، لتقديم دعم مستمر للشركات المحلية العاملة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات، مع تطبيق رسوم كربون وحصص استيراد لحماية الصناعات المحلية. ولكن النتائج كانت مخيّبة للآمال.

في الحقيقة، تُعد الإعانات الصناعية المستخدمة لمعالجة إخفاقات السوق ودعم البحث والتطوير التكنولوجي ونشر التقنيات في مراحلها المبكرة، ممارسة شائعة بين الاقتصادات العالمية الكبرى.

وتُظهر أبحاث صندوق النقد الدولي أن 75 دولة قامت في عام 2023، بضخ أكثر من 2500 إجراء صناعي، حيث كانت الاقتصادات المتقدمة هي المحرك الرئيسي لها. وفي أغسطس 2025، استخدمت الحكومة الأمريكية 5.7 مليار دولار من الأموال غير المنفقة بموجب "قانون الرقائق والعلوم"، إلى جانب رؤوس أموال أخرى، للاستحواذ على حصة ملكية بنسبة 9.9% في شركة "إنتل"، عبر اتفاقية استثمار بقيمة 8.9 مليار دولار.

وقد جعلت هذه الخطوة شركات أشباه الموصلات الأمريكية الفئة الأكثر حصولا على إعانات حكومية من حيث القيمة المطلقة على مستوى العالم. كما قدم الاتحاد الأوروبي إعانات ضخمة لمصنعي البطاريات مع تطبيق تدابير حمائية في الوقت نفسه، مثل الرسوم التعويضية على واردات السيارات الكهربائية الصينية. وهذا يوضّح بما لا يدعو للشك، بأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يمارسان سياسات دعم هائلة لصناعاتهما الخاصة بينما يتهمان الصين بـ "المنافسة غير العادلة"، مما يعكس ازدواجية المعايير.

أما ما يسمى بـ "عائد الدعم"، فهو مصطلح أطلقته بعض المؤسسات ووسائل الإعلام الغربية على الصين، حيث يقومون بتوسيع تعريف "الدعم" بشكل مبالغ فيه ليشمل كل شيء، بدءا من المنح الحكومية والإعفاءات من ضريبة الدخل والقروض بأسعار فائدة أقل من أسعار السوق، ووصولا إلى التمويل التجاري التقليدي.

وفي غياب المعايير الموحدة، وفي ظل الاعتماد الكبير على التقديرات، والاستنتاجات الذاتية، تبقى هذه الإتهامات تحوم في دائرة الاستنتاجات غير المقنعة، حيث تفتقر بشدة إلى الدقة والموضوعية.

إن القدرة التنافسية للصناعة الصينية لا تقوم على الدعم الحكومي، بل على منظومة متكاملة تشمل الابتكار التكنولوجي، والنظام الصناعي الشامل، وسلاسل التوريد المتطورة، وحجم السوق الكبير والمنافسة المحلية القوية. وقد منحت هذه العوامل منتجات "صنع في الصين" حضورا واسعا في الأسواق الدولية.

وتُعد مركبات الطاقة الجديدة مثالا واضحا على تفوق الصناعة الصينية على صعيد المنافسة. ففي عام 2025 تجاوز إنتاجها ومبيعاتها في الصين 16 مليون وحدة، وبلغت صادراتها 2.615 مليون وحدة. كما أن أسعارها في الأسواق الخارجية غالبا ما تكون أعلى من السوق المحلية بسبب الرسوم الجمركية، بفارق يصل إلى 30% و50% للطراز نفسه، ما يؤكد أن جاذبيتها العالمية تستند إلى التكنولوجيا والجودة والخدمات، لا إلى "الدعم الحكومي".

إن إعادة نجاح الصناعات الصينية إلى سياسات الدعم وحدها لا يسهم في حل التحديات العملية التي تواجه التنمية الصناعية العالمية. بل يقوض النظام التجاري متعدد الأطراف ويعرقل مسارات التعافي الاقتصادي العالمي والتحول الأخضر. في حين يبقى التعاون المنفتح، الذي يشمل تحسين تقسيم العمل، وتوسيع الأسواق، وتطوير القواعد التنظيمية، وتبادل الابتكارات، الطريق الوحيد من أجل دفع عجلة النمو المستمر في الحجم الصناعي والتحسين المطرد لجودة المنتجات.