![]() |
بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
يُعد صعود الصين معجزةً غير مسبوقة في التاريخ الحديث، إذ تمكن مجتمع بهذا الحجم الهائل من تحقيق تحول شامل خلال فترة زمنية قصيرة، وأعاد صياغة مسار تنميته بصورة جذرية، وهو إنجاز لا نظير له في تاريخ البشرية. ويُعزى هذا النجاح، وفق هذا الطرح، إلى قيادة الحزب الشيوعي الصيني، والالتزام بمسار التنمية السياسية ذات الخصائص الصينية، والتمسك بمفهوم الديمقراطية الشعبية الشاملة في جميع مراحلها وتطويرها، إلى جانب مواصلة الاستكشاف العملي والعمل المنهجي. ومن هذا المنظور، تُعد تجربة الصين في الحوكمة محط اهتمام واسع على المستوى الدولي.
كباحثة جزائرية أقيم في الصين منذ ما يقارب ثلاثة عقود، أجد نفسي أمام تجربة سياسية وتنموية فريدة لا يمكن فهمها من الخارج أو اختزالها في النماذج الجاهزة التي تهيمن على الخطاب السياسي العالمي حول مفهوم الديمقراطية. فالمعايشة اليومية للمجتمع الصيني ومتابعة تحولات الدولة عبر عقود من التغير السريع، تتيح فهمًا معمّقًا لما يسميه تشانغ وي وي «الديمقراطية الشعبية الصينية»، والتي تقوم على الممارسة الواقعية والنتائج الملموسة، لا على التنظير المجرد.
لقد شهدت بنفسي التحولات التاريخية العميقة التي عرفتها الصين خلال العقود الماضية، فقد تمكنت مئات الملايين من السكان من الخروج من دائرة الفقر، وارتفع مستوى المعيشة بصورة ملحوظة، كما شهدت قطاعات البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية تطورًا متسارعًا، مما أتاح للمجتمع فرصًا تنموية غير مسبوقة. ويطرح تشانغ وي وي فكرة مفادها أن «الديمقراطية الغربية تركز على الإجراءات، في حين تركز الديمقراطية الصينية على الأهداف والنتائج». ومن وجهة نظري، لا يمثل هذا الطرح مجرد مفهوم نظري، بل يعكس واقعًا ملموسًا يمكن ملاحظته من خلال التجربة الصينية. فالأهداف والنتائج يمكن أن تشكل معيارًا لتقييم أي نظام سياسي وأداء أي حكومة، من خلال قدرتها على تحسين مستوى معيشة المواطنين وتحقيق تنمية مستدامة.
أرى أن طرح تشانغ وي وي ينطلق من مراجعة نقدية للتصنيف التقليدي للأنظمة السياسية. فوفقًا لهذا التصنيف، تُقسَّم الأنظمة السياسية عادةً إلى نموذجين رئيسيين: «الديمقراطية» و« الديكتاتورية)». غير أنه يرى أن هذا التقسيم الثنائي لم يعد كافيًا لتفسير تعقيدات الواقع السياسي المعاصر. ومن وجهة نظره، ينبغي ألا يقتصر النقاش حول النظم السياسية على أشكال المؤسسات أو الهياكل الدستورية، بل ينبغي أن يمتد ليشمل جودة الحوكمة وفاعلية مخرجاتها العملية. وانطلاقًا من ذلك، يدعو إلى نقل محور المقارنة من ثنائية «الديمقراطية مقابل الديكتاتورية» بثنائية «الحوكمة الرشيدة مقابل الحوكمة السيئة»، حيث ترتبط الديمقراطية الجوهرية بقدرة الدولة على تحقيق التنمية والاستقرار والاستجابة لاحتياجات المواطنين وصون مصالحهم الأساسية.
وفي ظل هذه المعطيات، أرى أن مفهوم «الديمقراطية الاشتراكية الصينية» يقدم إطارًا تحليليًا مختلفًا لفهم العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالديمقراطية هنا لا تُختزل في الآليات الانتخابية أو التعددية الحزبية، بل تُفهم بوصفها قدرة النظام على تمكين الشعب من تحقيق مصالحه الفعلية من خلال حوكمة فعالة، وتخطيط استراتيجي طويل الأمد، واستقرار مؤسسي يسمح بتنفيذ السياسات العامة بصورة مستمرة ومنسقة. ومن خلال تجربتي اليومية في الصين، يمكن ملاحظة أن هذا النموذج يضع التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين مستوى معيشة المواطنين في صميم العملية السياسية.
يؤكد تشانغ وي وي على أن الديمقراطية الصينية تقوم على توازن بين قيادة الحزب الشيوعي الصيني بوصفه الضامن للاستقرار والتوجه الاستراتيجي للدولة، وبين سيادة القانون باعتبارها الإطار الناظم للحياة العامة والضامن للكفاءة والعدالة في التنفيذ. ويُنظر إلى هذا التوازن على أنه «ضمان مزدوج» يسمح للدولة بالحفاظ على استمرارية رؤيتها التنموية وتعزيز فعالية الإدارة العامة. ويتجلى ذلك في قدرة الدولة على تنفيذ المشروعات الكبرى، والاستجابة السريعة للتحديات، والحفاظ على استقرار السياسات العامة على المدى الطويل.
تكشف المقارنة بين "ديمقراطية الشعب الكاملة العمليات" والديمقراطية على النمط الغربي عن اختلافات جوهرية في نهج كل منهما تجاه الحكم، إذ تركز الديمقراطية الغربية في المقام الأول على التنافس بين الأحزاب المتعددة، وإجراء الانتخابات الدورية، وانتقال السلطة السياسية وإرساء الشرعية عبر العملية الانتخابية، في حين تولي "ديمقراطية الشعب الكاملة العمليات" اهتماماً أكبر لنتائج الحكم الملموسة وقدرة الدولة على تحقيق التنمية والحفاظ على الاستقرار وتحسين مستويات معيشة السكان. ومن هذا المنظور، يرتبط مفهوم "الديمقراطية الجوهرية" الذي طرحه تشانغ وي وي ارتباطاً وثيقاً بفعالية الحوكمة وقدرة الدولة على خدمة المصالح العامة للأغلبية.
لقد تجلى هذا المفهوم بوضوح تام في استجابة الصين للأزمات الكبرى، ولا سيما جائحة كوفيد-19، حيث أظهرت الدولة قدرة عالية على تعبئة الموارد وتنظيمها واتخاذ القرارات وتنفيذها بسرعة وفاعلية. وقد عززت هذه التجربة قناعتي بأن تقييم الديمقراطية لا ينبغي أن يقتصر على أبعادها الإجرائية أو المؤسسية، بل يتعين إيلاء اهتمام أكبر لقدرتها العملية على صون الأمن والاستقرار الاجتماعيين، فضلاً عن الاستجابة بفعالية لمختلف التحديات والأزمات.
لا تُمثّل المفاهيم التي طرحها تشانغ وي وي مجرد دفاع نظري عن النموذج السياسي الصيني، بل تشكل أيضاً محاولة لإعادة النظر في مفهوم الديمقراطية ذاته. وتكمن أهمية هذا المنظور في كونه لا يستند فقط إلى نظريات أكاديمية مجردة، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالممارسات الصينية الملموسة في مجالي التنمية والسياسة، إذ توفر الإنجازات اللافتة التي حققتها الصين في مجالات مثل النمو الاقتصادي، وانتشال السكان من الفقر، وتحسين سبل العيش، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، أساساً واقعياً لهذه النظرية، مما يضفي عليها قدراً كبيراً من الإقناع والقيمة العملية.
يمكن القول إن الصين نجحت في تطوير نموذج خاص بها للديمقراطية، يستند إلى خصوصياتها التاريخية والاجتماعية والثقافية، ولا يقوم على استنساخ التجارب السياسية الأخرى. ومن وجهة نظري، لا يمكن فهم هذا النموذج فهمًا دقيقًا إلا من خلال إدراك العلاقة الوثيقة بين التنمية والاستقرار والحوكمة الفعالة، وهي العناصر التي شكلت الأساس الذي قامت عليه عملية التحول الصيني خلال العقود الأخيرة.
إن الممارسة الديمقراطية في الصين لا تُختزل في كونها آلية سياسية أو إجراءات انتخابية فحسب، بل تُجسَّد في إطار «الديمقراطية الشعبية الشاملة في جميع مراحلها»، التي تهدف إلى تحقيق التنمية وتحسين حياة المواطنين بصورة ملموسة. وبوصفي باحثة عاشت هذه التجربة وعاينتها بشكل مباشر على مدى طويل، أرى أن النموذج الصيني يستحق دراسة جادة ومتعمقة بعيدًا عن الأحكام المسبقة والتصورات الجاهزة، لأنه يساهم في إثراء النقاش العالمي حول معنى الديمقراطية وحدودها وأشكال تجسدها المختلفة في الواقع السياسي المعاصر.