أعلنت شركتا توب سبورتس إنترناشيونال وبو شينغ إنترناشيونال مؤخرا تلقيهما إشعارا رسميا من شركة نايكي بوقف جميع مبيعات منتجاتها عبر المنصات الإلكترونية في البر الرئيسي الصيني، اعتبارا من الأول من يناير 2027.
وتشير الإفصاحات إلى أن نايكي تعتزم مستقبلا حصر مبيعاتها الإلكترونية بشكل أساسي في متاجرها الرسمية، وموقعها الإلكتروني، وتطبيقها الرسمي. وأثار هذا التعديل الاستراتيجي اهتماما واسعا في سوق المنتجات الرياضية الصينية، كما انعكس مؤقتا على أسعار أسهم الموزعين المتأثرين بالقرار.
من منظور تجاري، يمكن النظر إلى الخطوة باعتبارها إعادة تنظيم لقنوات التوزيع من جانب شركة متعددة الجنسيات. غير أن بعض وسائل الإعلام الأجنبية سارعت إلى ربطها بما وصفته بـ"تباطؤ" الطلب في السوق الصينية، في محاولة لتقديمها دليلا على ما يسمى "ضعف زخم الاستهلاك الصيني".
غير أن الاستنتاج يغفل حقيقة أن قرار نايكي يتعلق أساسا بإعادة تنظيم قنواتها التجارية، ولا يقدم بحد ذاته دليلا على تراجع الطلب في السوق الصينية.
هل يعني تقليص نايكي عدد موزعيها تراجع القوة الشرائية للمستهلك الصيني؟ تشير البيانات إلى عكس ذلك. فقد واصل سوق المنتجات الرياضية في الصين نموه خلال السنوات الأخيرة، وبلغ حجمه 2.49 تريليون يوان في عام 2025. وفي النصف الأول من عام 2026، بلغت صادرات السلع والمعدات الرياضية 67.53 مليار يوان، بما يمثل أكثر من 40% من الإجمالي العالمي.
وتشير التوقعات إلى أن حجم صناعة الرياضة في الصين قد يصل إلى 7 تريليونات يوان بحلول عام 2035، بما يعادل أكثر من 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي، لتصبح الصناعة محركا جديدا للنمو. وتكشف هذه الأرقام عن سوق آخذة في التوسع، لا عن طلب استهلاكي آخذ في الانكماش.
كما تقدم نتائج العلامات التجارية الرياضية الأخرى دليلا إضافيا على حيوية السوق. فقد تجاوزت إيرادات مجموعة أنتا 80 مليار يوان في عام 2025، مسجلة عامها الثاني عشر على التوالي من النمو.
وفي الوقت نفسه، حققت علامات تجارية عالمية، من بينها الشركة الأم لعلامة "آرك تيريكس" وشركة "أون" و"لولولمن" وغيرها من العلامات الدولية نموا سريعا في السوق الصينية، بلغ في بعض الحالات نسبا من خانتين أو حتى ثلاث خانات. وفي المقابل، تراجعت إيرادات نايكي في منطقة الصين الكبرى خلال السنة المالية 2026 بنسبة 11% على أساس سنوي. ويبدو أن الفارق لا يكمن في غياب الطلب، بقدر ما يتعلق بقدرة العلامة التجارية على مواكبة تغيرات السوق.
فالسوق الصينية لم تفتقر إلى المستهلكين، وإنما تتطلب منتجات واستراتيجيات أكثر قدرة على تلبية احتياجاتهم. وبينما تشهد سوق المنتجات الرياضية توسعا عاما، تواجه نايكي، التي كانت لفترة طويلة من أبرز اللاعبين فيها، تحديات تشغيلية تبدو مرتبطة بأدائها واستراتيجيتها الخاصة.
ويرى محللون أن اعتماد الشركة لسنوات على سردية عالمية موحدة تركز على "رياضات النخبة" لم يعد يواكب التحولات في تفضيلات المستهلك الصيني، الذي يتجه بصورة متزايدة نحو الرياضات الجماعية والأنشطة الخارجية والترفيهية.
وفي الوقت الذي تواصل فيه العلامات التجارية الصينية تطوير منتجات وتقنيات جديدة في مجالات مثل أحذية الجري وكرة السلة، واجهت منتجات نايكي منافسة متزايدة وتشبعا نسبيا لدى المستهلكين، بالتزامن مع ارتفاع مستويات المخزون، ما دفع الشركة إلى اللجوء بصورة أكبر إلى التخفيضات عبر قنواتها الرسمية.
ومن جانبها، تهدف نايكي من خلال تقليص الموزعين الإلكترونيين واستعادة قدر أكبر من السيطرة على الأسعار وقنوات التوزيع إلى الحد من المنافسة السعرية العشوائية وإعادة تنظيم صورتها التجارية. وأوضحت الشركة أن الخطوة تستهدف تقليص تشتت القنوات الإلكترونية وتحسين تجربة المستهلك. ومن ثم، يصعب اعتبارها مؤشرا على "انسحاب" الشركة من السوق الصينية. بل تبدو أقرب إلى إعادة ترتيب للموارد والقنوات، في محاولة لتعزيز حضور العلامة التجارية وتحسين أدائها مستقبلا.
ولا تزال السوق الصينية ذات أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة إلى نايكي، رغم تراجع أدائها فيها خلال الفترة الأخيرة، إذ تظل الصين إحدى أهم أسواق الشركة خارج أمريكا الشمالية. كما أن المقومات طويلة الأجل لنمو استهلاك المنتجات الرياضية لا تزال قوية، في ظل قاعدة سكانية تتجاوز 1.4 مليار نسمة، وتزايد الاهتمام بممارسة الرياضة واللياقة البدنية، واتساع قاعدة الطبقة الوسطى.
وفي مواجهة تحديات التكيف مع خصوصيات السوق المحلية، بدأت نايكي بالفعل في تعديل استراتيجيتها، إذ استحدثت منصب نائب الرئيس لشؤون الابتكار وتطوير المنتجات المحلية في منطقة الصين الكبرى، بهدف تطوير منتجات أكثر استجابة لاحتياجات المستهلكين الصينيين.
ولا تمثل إعادة هيكلة قنوات التوزيع سوى خطوة واحدة ضمن جهود نايكي لاستعادة قدرتها التنافسية في الصين، وهي سوق تتميز بحجمها الكبير وتنوعها الشديد. وباعتبارها من أوائل العلامات الرياضية العالمية التي دخلت السوق الصينية، عاصرت الشركة عن قرب صعود موجة اللياقة البدنية في البلاد وتطور صناعة الرياضة المحلية. واليوم، ومع ازدياد نضج هذه الصناعة واحتدام المنافسة فيها، تظل السوق مفتوحة أمام الشركات العالمية، بما فيها نايكي، لتعزيز قدراتها والمنافسة على أساس الجودة، وكسب ثقة المستهلكين الصينيين من خلال منتجات وخدمات تلبي احتياجاتهم المتغيرة.