![]() |
يشهد الصعود السريع لشركات صناعة السيارات الصينية، بالتزامن مع تنامي اتجاه "إعادة الصين تعريف صناعة السيارات"، جدلًا دوليًا متزايدًا حول ما إذا كانت شركات السيارات الأجنبية ستواصل البقاء في السوق الصينية أم ستنسحب منها. وتزعم بعض وسائل الإعلام الأجنبية أن شركات السيارات العالمية "تبتعد عن السوق الصينية"، فيما ذهبت أصوات مثيرة للقلق إلى حد القول إن العلامات التجارية العالمية للسيارات "وصلت إلى نهاية الطريق في الصين". وتستند "الأدلة" التي تُستخدم لدعم هذه الادعاءات أساسًا إلى التراجع المتزامن في الحصة السوقية والأرباح لدى بعض شركات صناعة السيارات الغربية متعددة الجنسيات العريقة في الصين.
للوهلة الأولى، قد يبدو هذا المنطق مقنعًا، لكن الواقع لا يدعم مثل هذا الاستنتاج. ففي 5 أغسطس، وقّعت مجموعة سايك موتور (SAIC Motor) وجنرال موتورز (GM) اتفاقية لتجديد مشروعهما المشترك، ومدّدتا مدة عمل سايك-جنرال موتورز (SAIC-GM) 20 عامًا إضافية، لتستمر حتى عام 2047. وفي الواقع، تعمل شركات صناعة السيارات متعددة الجنسيات بشكل جماعي على "مضاعفة رهاناتها" على السوق الصينية وتعزيز شراكاتها مع الشركات الصينية. ففي يوليو من هذا العام، جددت مجموعة قوانغتشو للسيارات (GAC) وهوندا اتفاقية تعاونهما، ومدّدتا الشراكة حتى عام 2038، كما أتمت مجموعة سايك ومجموعة فولكس فاغن التجديد الثاني لشراكتهما، لتمديد مدة المشروع المشترك حتى عام 2040. وأعلنت بي إم دبليو عن استثمار إضافي بقيمة 20 مليار يوان (2.76 مليار دولار) في الصين، بينما تعمل فولكس فاغن على إنشاء أكبر مركز للبحث والتطوير تابع لها خارج ألمانيا في مدينة خفي. ومن الواضح أن سلسلة السببية المفترضة، أي "اشتداد المنافسة، ثم تراجع الحصة السوقية وانكماش الأرباح، وصولًا إلى رحيل العلامات التجارية الأجنبية"، لا تصمد أمام الواقع.
صحيح أن شركات السيارات الأجنبية تواجه منافسة شرسة وتراجعًا في حصتها السوقية وانكماشًا في أرباحها في الصين. ففي عام 2020، كانت العلامات التجارية التابعة للمشروعات المشتركة والعلامات الأجنبية تستحوذ على 61.6 ٪ من سوق سيارات الركوب في الصين، لكن هذه النسبة انخفضت إلى 24.5 ٪ بحلول يونيو 2026، أي إنها تراجعت فعليًا إلى نحو النصف.
وقد تكبدت أكبر ثلاث شركات يابانية لصناعة السيارات أداءً ضعيفًا بشكل خاص، إذ سجلت هوندا نموًا سلبيًا على مدى 29 شهرًا متتاليًا، وأعلنت عن أول خسارة سنوية لها منذ إدراجها في البورصة عام 1957، فيما تراجعت الحصة السوقية الإجمالية للعلامات التجارية اليابانية من23.1 ٪ إلى أقل من 10 ٪. وفي الوقت نفسه، باعت جنرال موتورز (GM)، التي جددت مؤخرًا شراكتها مع سايك لمدة 20 عامًا، 1.8 مليون سيارة في الصين عام 2024، أي أقل من نصف حجم المبيعات القياسي الذي حققته في عام 2017. فما الذي يدفع هذه الشركات، إذن، إلى تعميق تعاونها في الصين بدلًا من الانسحاب من السوق؟
يكمن العامل الأبرز في التكنولوجيا الصينية. فقد أسهمت التطورات المتسارعة التي حققتها الصين في مجال مركبات الطاقة الجديدة، إلى جانب مفاهيمها المبتكرة، ليس فقط في إعادة تعريف السيارة، بل أيضًا في رسم ملامح مستقبل صناعة السيارات. وفي ظل هذا التحول، ستتمتع الشركات التي تبادر إلى تعزيز شراكاتها مع الصين والاستفادة من خبراتها وإنجازاتها المتطورة بميزة تنافسية مهمة في المرحلة المقبلة. ويشمل ذلك تقنيات المنظومة الكهربائية الثلاثية، المتمثلة في البطاريات والمحركات وأنظمة التحكم الإلكتروني، فضلًا عن تقنيات القيادة الذكية ونماذج البحث والتطوير المبتكرة. وبعبارة أخرى، ورغم الضغوط الحالية الناجمة عن تراجع الحصة السوقية، فإن التعاون مع الصين يتيح فرصًا أكبر، ويفتح المجال أمام الوصول إلى أسواق إضافية.
لنأخذ جنرال موتورز (GM) مثالًا آخر. تشير التقارير إلى أن الشركة تمنح فرقها في الصين مسؤولية رئيسية عن تحديد مواصفات المنتجات ووضع خارطة الطريق التقنية لعدد من الطرازات الجديدة، ولا سيما مركبات الطاقة الجديدة. والأهم من ذلك أن الاختراقات التكنولوجية التي طُوّرت في الصين بدأت تُوظَّف في مجموعة طرازات جنرال موتورز على مستوى العالم. ويكشف هذا التحول الاستراتيجي بحد ذاته عن الإجابة الواضحة عن جميع التساؤلات المطروحة.
ولا تقتصر هذه الحالة على شركة واحدة. فوفقًا لبيانات غرفة التجارة الألمانية، ارتفعت نسبة أنشطة البحث والتطوير التي تنفذها شركات صناعة السيارات الألمانية في الصين من 12٪ إلى 33٪ خلال عامين فقط. كما استغرق تطوير طراز جديد من أودي بالتعاون مع سايك 18 شهرًا فقط، منذ بدء التطوير وحتى طرحه في السوق، فيما جاء جزء كبير من التقنيات الأساسية فيه، بما في ذلك البطاريات، وأنظمة الدفع الكهربائي، والبرمجيات داخل السيارة، وأنظمة مساعدة السائق، من شركاء صينيين. وبالمثل، قامت رينو بترقية مركز البحث والتطوير التابع لها في الصين ليصبح مركزًا عالميًا لنقل التكنولوجيا. ففي الماضي، كانت شركات السيارات الأجنبية تنقل التكنولوجيا إلى الصين مقابل الحصول على حصة في السوق، أما اليوم فقد أصبحت الصين "محركًا مهمًا للابتكار" لشركات صناعة السيارات التقليدية.
تستحق ملاحظة هيلديغارد مولر، رئيسة الجمعية الألمانية لصناعة السيارات، التوقف عندها والتأمل: التعاون والمنافسة وجهان لعملة واحدة. وإعادة توزيع الحصص السوقية هي في حد ذاتها نتيجة للتطور الصناعي واحتدام المنافسة. فالصعود السريع للشركات الصينية والتسارع في تطوير تقنيات الكهربة والذكاء لم يفرضا ضغوطًا وتحديات على شركات السيارات العالمية الراسخة فحسب، بل أظهرا لها أيضًا اتجاه المستقبل وإمكانات التعاون.
يصف أوليفر بلوم، الرئيس التنفيذي لشركة فولكس فاغن، الصين بأنها "صالة لياقة لصناعة السيارات"، وليس من المستغرب ذلك، فالشركات التي تغيب عن الصين، باعتبارها السوق الأكثر احتدامًا للمنافسة والأكثر حيوية في مجال الابتكار، تخاطر بالتخلف أكثر فأكثر عن الركب في خضم الثورة الصناعية الراهنة.
تتزايد جاذبية الصين للشركات متعددة الجنسيات في ظل جولة جديدة من الثورة التكنولوجية والتحول الصناعي، مدفوعةً بأسباب أعمق تتجاوز مجرد حجم السوق.
وعلى مدى العقود الماضية، لم تكتفِ الصين ببناء منظومة صناعية متكاملة وإعداد قاعدة واسعة من المواهب الابتكارية، بل طورت أيضًا منظومة متكاملة للابتكار تتفاعل فيها سيناريوهات التطبيق المتنوعة، وسلاسل الإمداد الفعالة، والقدرات السريعة على اختبار التقنيات والتحقق منها، بما يعزز كل منها الآخر. وفي الوقت نفسه، يوفر الطلب المتزايد لدى المستهلكين الصينيين على المنتجات الرقمية والذكية للشركات "ساحة اختبار" لرصد اتجاهات الصناعة المستقبلية، والتنافس في مجال الابتكارات المتقدمة، كما يدفعها، في ظل المنافسة الشديدة، إلى خفض التكاليف باستمرار وتحسين منتجاتها وصقلها قبل التوسع في الأسواق العالمية.
ونتيجة لذلك، تنقل أعداد متزايدة من الشركات متعددة الجنسيات مراكز البحث والتطوير، ومراكز الابتكار، بل وحتى عمليات تطوير المنتجات العالمية إلى الصين. وهي بذلك تختار عمليًا مواكبة نبض الابتكار الصيني والاستفادة من موجة "عائدات الابتكار" التي تقودها الصين. ولا تمثل صناعة السيارات سوى نموذج مصغر لهذا الاتجاه المتنامي.
اليوم، لم يعد من الممكن قياس جاذبية السوق الصينية للاستثمارات الأجنبية بالاعتماد على حجم المبيعات والحصة السوقية فقط، بل ينبغي أيضًا تقييمها في ضوء مكانة الصين ضمن سلسلة الابتكار الصناعي العالمية. وتُظهر الخيارات التي اتخذتها شركات صناعة السيارات الأجنبية، مثل جنرال موتورز وفولكس فاغن، أن الشركات ستختار الاستثمار حيث تكون أقرب إلى مستقبل الصناعة.
وتؤكد هذه الخطوة، التي تبدو للوهلة الأولى متناقضة والمتمثلة في "زيادة الرهان على الصين رغم اتجاه السوق"، ثقة هذه الشركات العريقة في مستقبل تطور الصناعات الصينية، كما تؤمّن لها "تذكرة" للمشاركة في الجولة المقبلة من التحول الصناعي.