شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>الصين ودول الحزام والطريق

زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين.. نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية

2026-08-24 16:46:48   
زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين.. نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية
وصل العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الى بكين يوم 20 أغسطس

بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية

تأتي زيارة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني إلى الصين مؤخرا، في مرحلة تبدو فيها العلاقات بين عمّان وبكين أمام فرصة للانتقال من ترسيخ الشراكة السياسية إلى توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والصناعي والتجاري. فالزيارة، وهي التاسعة للملك إلى الصين منذ اعتلائه العرش، لا تمثل مجرد محطة دبلوماسية رفيعة المستوى، بل تعكس توجهًا مشتركًا لإعادة ترتيب أولويات التعاون بما يواكب التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا، ويؤسس لمرحلة جديدة أكثر تركيزًا على الاستثمار ونقل المعرفة وبناء الشراكات الإنتاجية.

تستند العلاقات الصينية ـ الأردنية إلى إرث دبلوماسي يمتد لنحو نصف قرن، منذ إقامة العلاقات الرسمية بين البلدين في 7 أبريل 1977. وعلى مدى العقود الماضية، تطورت هذه العلاقات بصورة تدريجية لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والتعليمية، مدعومة بتنامي الزيارات والاتصالات رفيعة المستوى بين الجانبين. وشكل عام 2015 محطة مهمة في مسيرة هذه العلاقات، عندما اتفق الرئيس الصيني شي جين بينغ والملك عبدالله الثاني على إقامة شراكة استراتيجية بين البلدين، الأمر الذي أرسى إطارًا أوسع للتعاون في مجالات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار والتجارة والتعليم والسياحة والثقافة، إلى جانب تعزيز مشاركة الأردن في مبادرة الحزام والطريق وتشجيع الشركات الصينية على الاستثمار في المملكة.

ومع اقتراب الذكرى الخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في عام 2027، تكتسب الزيارة الحالية دلالة تتجاوز بعدها البروتوكولي، إذ تبدو فرصة لاستعراض ما تحقق خلال العقود الماضية، وفي الوقت نفسه لرسم ملامح المرحلة المقبلة. ويأتي البعد الاقتصادي في مقدمة أولويات هذه المرحلة، وهو ما عكسته سلسلة اللقاءات التي عقدها الملك عبدالله الثاني مع مسؤولين ورؤساء شركات صينية كبرى في شنغهاي وبكين. فقد تناولت المباحثات فرص التعاون في قطاعات متعددة، من الأدوية والأغذية والهندسة والزراعة والطيران إلى الطاقة والتعدين والأسمدة والصناعات المتقدمة، مع التركيز على استقطاب استثمارات نوعية وإقامة شراكات ذات قيمة مضافة.

وفي هذا السياق، يطرح الأردن نفسه بوصفه شريكًا يمتلك مقومات جاذبة للاستثمار، من موقع جغرافي استراتيجي وبيئة أعمال مستقرة وقوة عاملة مؤهلة، فضلًا عن شبكة من اتفاقيات التجارة الحرة التي تتيح للشركات العاملة في المملكة الوصول إلى أسواق إقليمية ودولية أوسع. ومن ثم، فإن الهدف لم يعد يقتصر على زيادة حجم التبادل التجاري، بل يتجه بصورة أكبر نحو جذب الاستثمارات النوعية، وتعزيز التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وربط الاقتصاد الأردني بسلاسل الإنتاج والأسواق الإقليمية.

يبرز الجانب التكنولوجي بوصفه أحد أهم الملامح الجديدة في الشراكة. فاختيار شنغهاي وشنتشن ضمن برنامج الزيارة، إلى جانب بكين، يعكس اهتمامًا أردنيًا واضحًا بالاستفادة من التجربة الصينية في الابتكار والصناعة المتقدمة والاقتصاد الرقمي. وفي شنغهاي، اطلع الملك عبدالله الثاني على أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتجسد والروبوتات، وشاهد عروضًا للروبوتات البشرية، كما تعرف على كيفية انتقال التقنيات الصينية من مرحلة البحث والتطوير إلى الاستخدامات الصناعية والتجارية. وفي شنتشن، إحدى أبرز مراكز التكنولوجيا والابتكار في الصين، بحث الجانبان فرص تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي وتبادل الخبرات.

كما عقد الوفد الأردني المرافق للملك مباحثات مع ممثلي شركات صينية تعمل في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة الصناعية والنقل الذكي والحوسبة والصحة الرقمية. ويشير ذلك إلى أن التكنولوجيا لم تعد مجالًا ثانويًا في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، بل أصبحت عنصرًا محوريًا في تصور التعاون المستقبلي، خصوصًا في ظل سعي الأردن إلى تعزيز الإنتاجية والقدرة التنافسية وتطوير الصناعات القائمة على المعرفة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها محاولة للاستفادة من التجربة الصينية ليس فقط في استقطاب رؤوس الأموال، وإنما أيضًا في بناء القدرات وتوطين المعرفة وتطوير الصناعات المستقبلية.

وفي موازاة الاقتصاد والتكنولوجيا، حضرت السياحة بقوة في أجندة الزيارة، باعتبارها مجالًا يمكن أن يجمع بين العائد الاقتصادي وتعزيز التواصل بين الشعبين. فقد بحث الملك عبدالله الثاني في شنغهاي مع مسؤولي شركة Trip.com سبل توظيف التكنولوجيا الرقمية في تطوير قطاع السياحة وتحسين تجربة الزوار، مؤكدًا أهمية السوق الصينية بالنسبة للأردن.

كما تبرز أهمية تعزيز الربط الجوي بين البلدين، في ضوء توقيع مذكرة تفاهم بين الملكية الأردنية والخطوط الجوية الصينية لتطوير التعاون التجاري والتشغيلي ودراسة فرص إطلاق خطوط جديدة واتفاقيات مشاركة بالرمز. ومن شأن تحسين الاتصال الجوي أن يدعم حركة السياح والطلاب ورجال الأعمال، ويفتح المجال أمام توسيع التبادلات التجارية والثقافية والإنسانية.

وعلى الرغم من الحضور القوي للملفات الاقتصادية والتنموية، فإن البعد السياسي والإقليمي يظل جزءًا أساسيًا من أجندة الزيارة. فقد أكد وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، أهمية الدور الأردني في الشرق الأوسط، مشددًا على أن القضية الفلسطينية تقع في صميم قضية الشرق الأوسط، وداعيًا إلى مواصلة الجهود من أجل تحقيق وقف لإطلاق النار في غزة وتخفيف الوضع الإنساني. وفي المقابل، أكد الصفدي تقدير الأردن للدور الصيني في قضايا المنطقة، ولا سيما دعم حل الدولتين، مجددًا التزام بلاده بمبدأ الصين الواحدة.

يكشف هذا التقارب في المواقف عن أن العلاقات الصينية ـ الأردنية لا تقوم على المصالح الاقتصادية وحدها، وإنما تستند أيضًا إلى قدر من التفاهم السياسي بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية. فالأردن، بحكم موقعه ودوره الإقليمي، يمثل شريكًا مهمًا للصين في الشرق الأوسط، بينما تنظر عمّان إلى بكين باعتبارها قوة دولية ذات حضور اقتصادي وسياسي متزايد، يمكنها أن تسهم في دعم الاستقرار والتنمية في المنطقة.

ومن هذا المنظور، تبدو زيارة الملك عبدالله الثاني بمثابة محاولة للانتقال بالعلاقات الصينية ـ الأردنية من مرحلة الصداقة السياسية والشراكة الاستراتيجية إلى مرحلة أكثر عمقًا من التكامل الاقتصادي والتكنولوجي. فالصين تمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية واستثمارية ضخمة، في حين يمتلك الأردن موقعًا جغرافيًا مهمًا وشبكة من العلاقات والأسواق واتفاقيات التجارة، وهو ما يفتح مجالًا لتكامل المصالح في قطاعات الصناعة والطاقة والتعدين واللوجستيات والتكنولوجيا والسياحة.

ومع اقتراب الذكرى الخمسين للعلاقات الدبلوماسية، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام البلدين يتمثل في تحويل الرصيد السياسي المتراكم إلى نتائج اقتصادية وتنموية ملموسة. فنجاح الشراكة في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي يجري توقيعها، وإنما بمدى ترجمتها إلى استثمارات فعلية ومشاريع إنتاجية ونقل للتكنولوجيا وخلق فرص عمل وتعزيز للقدرات الصناعية.

وعليه، يمكن قراءة زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الصين باعتبارها نقطة انطلاق نحو فصل جديد في العلاقات بين البلدين، فصل لا تكتفي فيه الشراكة بتعزيز الثقة السياسية والتعاون الدبلوماسي، بل تتجه إلى بناء مصالح اقتصادية أكثر ترابطًا، والاستفادة من التحول التكنولوجي الصيني، وتوسيع حضور الشركات والاستثمارات، وتعزيز التواصل بين الشعبين. وإذا نجح الجانبان في تحويل هذه الرؤية إلى مشاريع عملية، فإن الشراكة الصينية ـ الأردنية قد تدخل السنوات الخمسين المقبلة بقاعدة أكثر صلابة، وبأبعاد اقتصادية وتكنولوجية وتنموية تتجاوز بكثير ما تحقق خلال العقود الخمسة الماضية.