تزامنا مع زيارة الدولة التي يجريها إلى مصر، نشر الرئيس الصيني مقالا في وسائل الإعلام المصرية بعنوان "إطلاق مسيرة جديدة بهمة وعزيمة ــ بعد 70 عاما من التآزر والتضامن". وأشار المقال إلى أن العلاقات الصينية المصرية قد تمكنت من الصمود في وجه العواصف الدولية والتحدّيات على امتداد سبعة عقود. وحافظت على ثباتها وجودة شراكتها وقوة زخمها، لتصبح نموذجا للتعاون الجماعي بين الصين والدول العربية والصين والدول الأفريقية. ومثالا يحتذى به في التعايش الودي والتضامن بين الدول النامية.
وتأتي هذه الزيارة في ظل احتفال البلدين بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية الثنائية، بما يسهم في تعميق مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.
لم تنقطع التبادلات الودية بين الصين ومصر على مدار قرون طويلة من تاريخ طريق الحرير. وتُعد القطع الأثرية الصينية المكتشفة في منطقة الفسطاط بمصر شاهدا حيا على الروابط الوثيقة والصداقة العميقة التي جمعت بين الشعبين منذ العصور القديمة.
ومن تجارة الحرير والخزف والتوابل والأواني الزجاجية، وصولا إلى معرض "قمة الهرم: حضارة مصر القديمة" الذي احتضنه متحف شنغهاي، ومن تدريس اللغة الصينية في أكثر من 40 مدرسة ثانوية مصرية، إلى وجود ما يقرب من 200 شركة في منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري لقناة السويس، تتوسع مجالات التعاون بين الصين ومصر يوما بعد يوم.
وقبل أيام، شهدت مصر وصول تشكيلة متنوعة من طائرات القوات الجوية الصينية، بما فيها مقاتلات J-16، للمشاركة في المناورات الجوية المشتركة "نسور الحضارة 2026"، بما يعكس متانة الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية بين البلدين.
إن الصين ومصر بلدان تجمعهما العلاقات الأخوية ووحدة الهدف، وقد واجهتا عواصف الماضي جنبا إلى جنب. ولن ينسى التاريخ تلك اللحظات المضيئة التي عاشها البلدان: من مؤتمر باندونغ عام 1955، الذي أسهم فيه البلدان معا في تعزيز التضامن الأفروآسيوي، إلى نضال مصر لاستعادة سيادتها على قناة السويس، ثم إلى كفاح الصين من أجل استعادة مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة.
وفي خضم تلك الأحداث المصيرية، وقف الشعبان متكاتفين، وأقاما روابط عميقة من التضامن والصداقة.
واليوم، تجمع الصين ومصر أهدافا وتطلعات مشتركة في الحفاظ على النظام الدولي، والدعوة إلى الإنصاف والعدالة، والتمسك بالتعددية. وقد أسهم الدعم المتبادل بين البلدين لمسارات التنمية التي تتناسب مع ظروفهما الوطنية، وكذلك المصالح الجوهرية والشواغل الكبرى لكل منهما، في إرساء أساس متين لمواصلة تطوير شراكتهما الاستراتيجية الشاملة.
تمثل الصين ومصر شريكين موثوقين يسيران يدا بيد على درب التحديث والمنفعة المتبادلة. حيث كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، ومن أوائل الدول التي انضمت إلى مبادرة "الحزام والطريق". وعلى مدى عقود طويلة، ظل التعاون بين البلدين يتعمّق ويتوسع في مختلف القطاعات، لترتقي العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
وقد شيدت الشركات الصينية في مصر عددا من المشاريع البارزة، من بينها أطول مبنى في أفريقيا وأول خط قطار خفيف كهربائي عابر للمدن في القارة. كما أطلقت الصين القمر الصناعي المصري "مصر سات-2"، لتصبح مصر أول دولة أفريقية تمتلك قدرات متكاملة في تجميع الأقمار الصناعية ودمج أنظمتها واختبارها.
وفي عام 2023، أصبحت مصر أول دولة أفريقية تصدر "سندات الباندا"، بينما دخل البرتقال المصري الطازج السوق الصينية هذا العام مستفيدا من سياسة الإعفاء الجمركي الكامل المخصصة للدول الأفريقية ذات العلاقات الدبلوماسية مع الصين. وتجسد هذه الإنجازات تنوع التعاون الصيني المصري وما يحققه من منافع ملموسة لشعبي البلدين.
ظلت العلاقات الصينية المصرية ثابتة المسار، راسخة الأساس، وقوية الزخم، بفضل وقوف البلدين جنبا إلى جنب في مختلف الظروف. ويكمن وراء هذا الثبات تقدير متبادل بين حضارتين عريقتين، رغم المسافة الجغرافية الشاسعة التي تفصل بينهما.
ففي استطلاع للرأي العام بعنوان "وجهات نظر صينية حول مصر" أجراه مركز أبحاث تابع لصحيفة "غلوبال تايمز" في أواخر أغسطس الماضي، أعرب 94% من المشاركين عن رغبتهم في تعزيز التعاون في مجالات التبادل الشعبي والاجتماعي، فيما اعتبر 82% منهم مصر شريكا رئيسيا للصين في العالم العربي وأفريقيا.
تقع مصر عند ملتقى قارتي آسيا وأفريقيا، وتُعد قوة محورية للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط، فيما تعد الصين عضوا دائما في مجلس الأمن وثاني أكبر اقتصاد في العالم. وبصفتهما عضوين بارزين في "الجنوب العالمي"، يعمل البلدان على تعزيز التنسيق والتشاور عبر منصات متعددة الأطراف، مثل الأمم المتحدة، ومجموعة بريكس، ومنتدى التعاون الصيني العربي، ومنتدى التعاون الصيني الأفريقي.
ولا يقتصر هذا التعاون على حماية المصالح المشتركة للبلدين فحسب، بل يدعم مواكبة الشراكات الصينية العربية والصينية الأفريقية لمتغيرات العصر والحفاظ على الاستقرار طويل المدى، ويسهم في دفع النظام الدولي نحو مزيد من العدالة والإنصاف.
من طريق الحرير القديم إلى التنمية المشتركة عالية الجودة في إطار مبادرة "الحزام والطريق" امتدت التبادلات بين الحضارتين العريقتين، الصينية والمصرية، عبر آلاف السنين، وظلت مزدهرة ومفعمة بالحياة.
وبفضل التوجيه الاستراتيجي لقائدي البلدين، ستواصل هاتان الحضارتان العريقتان، اللتان تمران بمرحلة حاسمة من التنمية والنهضة، نقل شعلة الصداقة الصينية المصرية من جيل إلى جيل، والعمل معا على صياغة مستقبل أكثر إشراقا للعلاقات الثنائية.