د. خديجة عرفة
رئيس الإدارة المركزية للتواصل المجتمعي
مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار
رئاسة مجلس الوزراء- مصر
تحظى الزيارة التاريخية التي يقوم بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر بأهمية خاصة، وذلك ارتباطا بالتوقيت على المستوى الثنائي وكذلك في السياقين الإقليمي والدولي، وكذلك طبيعة ما سيتم مناقشته من ملفات وما تحمله من آفاق أوسع لتطور العلاقات الثنائية بين الدولتين في ظل الخصوصية الفريدة لتلك العلاقات.
ويوافق هذا العام الذكري السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وجمهورية الصين الشعبية، وخلال تلك العقود السبعة شهدت العلاقات الثنائية تطورات مهمة على كافة المسارات، إلا أنه يمكن اختزال علاقات الدولتين في سبعة عقود فحسب، إذ تمتد جذور تلك العلاقات إلى عمق حضاري وثقافي وإنساني طويل، استند عبر العقود إلى الاحترام المتبادل والرغبة المشتركة في تعزيز الحوار بين الحضارات وتبادل الخبرات والمعارف. وقد أسهم هذا الإرث الحضاري المشترك في بناء شراكة متنامية استطاعت أن تتجاوز حدود الجغرافيا واختلاف الثقافات واللغات لتقدم نموذجًا ناجحًا للتعاون بين الأمم. فالحضارة المصرية القديمة التي نشأت على ضفاف نهر النيل، والحضارة الصينية العريقة التي ازدهرت على ضفاف الأنهار الكبرى في شرق آسيا، تشتركان في العديد من القيم والمفاهيم الحضارية المرتبطة بالاستقرار والتنظيم واحترام المعرفة والسعي إلى بناء مجتمعات مزدهرة ومستقرة.
انعكست هذه القواسم المشتركة في العديد من المظاهر الثقافية والفنية والتراثية التي تجمع بين الحضارتين، سواء في الفنون أو الرموز الحضارية أو الاهتمام بالحفاظ على التراث وصون الذاكرة التاريخية للأمم. ولذلك لم يكن من المستغرب أن تتطور هذه الروابط الحضارية إلى علاقات رسمية قوية، خاصة بعد أن أصبحت مصر أول دولة أفريقية وعربية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين عام 1956، وهو الحدث الذي شكل نقطة تحول مهمة في مسار العلاقات بين البلدين. لتشهد العلاقات الثنائية تطورا في مختلف المجالات.
وقد نجحتا مصر والصين على مدار عقود طويلة في بناء نموذج للتعاون يستند إلى الاحترام المتبادل والتفاهم الثقافي والإرادة المشتركة لتعزيز الحوار بين الحضارات. بحيث تؤكد التجربة المصرية الصينية أن العلاقات الدولية المتميزة لا تُبنى فقط على المصالح الاقتصادية أو السياسية، وإنما تقوم أيضًا على أسس ثقافية وحضارية وإنسانية راسخة.
هذا البعد الحضاري وأن كان وفر أساسًا مهمًا للتقارب والتلاقي، إلا أن هناك مجموعة من المقومات التي شكلت أساسًا قويًا ومحددًا مهمًا لتلك العلاقات من بينها وجود مستوى عالي من الثقة المتبادلة على المستوى السياسي عززته الدبلوماسية الرئاسية بما أسهم في توفير الرؤية الاستراتيجية والتوجيه السياسي للعلاقات الثنائية، وكذلك التنسيق المستمر للمواقف بشأن القضايا الإقليمية والدولية. إضافة إلى ما يمكن أن يُطلق عليه "الاحتياج الاستراتيجي المتبادل" حيث يدرك كل طرف لأهمية الطرف الآخر في إطار علاقاته الدولية في ظل وجود مصالح متبادلة في مجالات مختلفة، مع وجود إرادة سياسية للحفاظ على مسار تلك العلاقات وتطورها نوعيًا في مجالات تخدم مصالح الطرفين. خاصة في ظل توافق بشأن مبادئ السياسة الخارجية ممثلة في احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأهمية الحفاظ على التكامل الإقليمي للدول، ودعم الاستقرار الإقليمي والدولي، واحترام قواعد القانون الدولي ودعم دور المنظمات الدولية مع احترام الاتفاقيات والمواثيق الدولية.
هذا المزيج الفريد بين التلاقي والتقارب الحضاري، وتوافر الأسس والمقومات المشتركة مع تقارب الرؤى السياسية أسهم بشكل كبير في تطور العلاقات الثنائية بين الدولتين، خاصة بعد أن تم توقيع اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، لتشهد السنوات التالية دفعة قوية في العلاقات الثنائية في المجالات التنموية والاقتصادية والسياسية والثقافية لحد وصف الباحثين تلك الفترة بالعقد الذهبي في العلاقات المصرية الصينية. وفي عام 2024، أكَّد الرئيسان المصري والصيني على أهمية الارتقاء بالشراكة الاستراتيجية الشاملة إلى آفاق أوسع، كما أُقر برنامج تنفيذي للشراكة الاستراتيجية الشاملة للفترة 2024-2028. وبذلك تبرز أهمية الزيارة الراهنة في نقل العلاقات الثنائية نحو شراكة أكثر تكاملا واستدامة بالتركيز على المجالات النوعية التي تهم البلدين.
كما أن قضايا جنوب العالم في إطارها الأوسع من القضايا ذات الأولوية التي تحظى باهتمام بالغ من قبل كل من مصر والصين، بالتركيز على تعزيز التعاون والتضامن بين دول الجنوب في مواجهة التحديات المتزايدة؛ وهي تحديات لم تفرضها أوضاع اقتصادية وسياسية لتلك الدول فحسب، بل تعززت كنتيجة لتحديات على المستوى العالمي، في ظل ما نشهده في الوقت الراهن من تراجع لدور التنظيم الدولي، وغياب الإرادة السياسية لحل العديد مِنْ الأزمات الدولية السياسية والأمنية والاقتصادية، والتراجع في مستوى التعاون الدولي مؤسسيًّا وغيرها.
وقد مثّلت قضايا ومشكلات جنوب العالم أحد الشواغل للقيادة السياسية المصرية والصينية؛ فقد أبدى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اهتمامًا بقضايا ومشكلات جنوب العالم، بالتركيز على أهمية التضامن بين دول جنوب العالم في مواجهة التحديات المشتركة. وقد مثّل انضمام مصر لتجمع "البريكس" وما سبقها من انضمام مصر إلى منظمة شنغهاي للتعاون من ضمن المسارات التي تعكس الحرص على التعبير عن رؤى دول جنوب العالم وتعزيز مصالحها. كما قدّم الرئيس الصيني شي جين بينغ رؤيته الفكرية الخاصة بشأن مشكلات دول الجنوب، وهو ما يتضح مِنْ خلال تحليل العديد مِنْ المبادرات والأفكار التي طرحها الرئيس شي جين بينغ. حيث يمكن الإشارة إلى كل مِنْ مبادرة "الحزام والطريق" ومبادرة "التنمية العالمية"، لارتباطهما الوثيق بالتنمية لدول الجنوب. وكذلك مبادرة "مجتمع المستقبل المشترك للبشرية".
وبذلك فهناك قائمة من الموضوعات الاستراتيجية ذات الاهتمام المشترك التي تحتل أولوية في أجندة هذه الزيارة المهمة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر ليس فقط على المستوى الثنائي ولكن أيضًا على المستويين الإقليمي والدولي في ظل توقيت بالغ الحساسية.
وختاما، إذا كان علاقات البلدين شهدت عقدًا ذهبيًا منذ توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة بينهما عام 2014، في ظل ما شهده من تنامي في علاقات البلدين في كافة المجالات، فإن الزيارة التاريخية الحالية للرئيس الصيني تتجاوز كونها مجرد بداية العقد الذهبي الثاني في العلاقات المصرية الصينية لتنتقل بتلك العلاقات إلى آفاق أوسع وأرحب في إطار شراكة أكثر تكاملا وابتكارا واستدامة. كما تُشكل فرصة مهمة لتجديد الالتزام السياسي المشترك بمواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة. لتظل العلاقات المصرية الصينية نموذجًا ملهمًا للتعاون الحضاري القادر على بناء مستقبل أكثر تقاربًا وتفاهمًا بين الشعوب.