شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>الصين ودول الحزام والطريق

تحقيق إخباري: مئة معلّم سعودي.. من مقاعد الدراسة في الصين إلى تدريس اللغة الصينية في المملكة

2026-09-10 16:37:51   

بكين 10 سبتمبر 2026 (شينخوا) في يوم المعلم في الصين، تلقّى مئة معلّم سعودي في جامعة بكين للغات والثقافة باقة من التهاني بهذه المناسبة، وهم اليوم طلاب للغة الصينية، بعد أن اعتادوا الوقوف أمام السبورة في مدارس المملكة. فقبل عامين، شدّوا الرحال من مختلف مناطق السعودية إلى بكين، ليبدؤوا رحلة جديدة في تعلم اللغة، استعدادا للعودة إلى مدارسهم لتدريسها.

والتحق المعلمون بـ"برنامج الماجستير في الصين لمئة معلّم سعودي محلي للغة الصينية"، الذي ينظمه مركز تبادل والتعاون اللغوي التابع لوزارة التربية والتعليم الصينية بالتعاون مع وزارة التعليم السعودية، وتنفذه جامعة بكين للغات والثقافة. ووصلت الدفعة الأولى إلى بكين في سبتمبر 2024، ويستمر البرنامج ثلاث سنوات: سنة للدراسة المكثفة للغة الصينية، وسنتان لنيل الماجستير في التعليم الدولي للغة الصينية، قبل أن يعود الخريجون إلى المدارس السعودية لتدريسها.

ويأتي البرنامج في ظل التوسع المتسارع لتعليم اللغة الصينية في السعودية، بالتوازي مع تنامي العلاقات السعودية ـ الصينية في الاقتصاد والتجارة والتعليم والثقافة والتكنولوجيا. وبالنسبة إلى المشاركين، لا تعني اللغة الصينية مجرد مهارة جديدة، بل فرصة للإسهام في مد جسور التواصل بين الشعبين.

- اختيار اللغة الصينية... من المعلم إلى الطالب

اختلفت دوافع هؤلاء المعلمين لتعلم اللغة الصينية، لكنهم التقوا عند إدراكهم لأهميتها المتزايدة، في ظل التطور المتسارع للعلاقات السعودية ـ الصينية.

فكان إبراهيم، على سبيل المثال، يدرّس مادة أخرى في إحدى المدارس السعودية قبل أن يأتي إلى الصين. أما اليوم، فأصبح طالبا للغة الصينية، بعدما لفت انتباهه النمو الاقتصادي للصين وتنامي مكانتها عالميا. ويرى أن تعلم اللغة وتعليمها يتيحان له فرصة لتعريف الطلاب السعوديين بالصين وثقافتها، والإسهام في تعميق التواصل بين البلدين.

أما رِهام عبدالله العطني، معلمة اللغة الإنجليزية في الثانوية الأولى بمحافظة رماح بمنطقة الرياض، فتمتد خبرتها في التعليم لأكثر من عشر سنوات. وتعود بدايتها مع الصين إلى عبارة "صنع في الصين"، التي أثارت فضولها تجاه بلد تصل منتجاته إلى مختلف أنحاء العالم، ودَفعتها إلى اكتشاف ثقافته وطريقة تفكير شعبه.

ومع إطلاق رؤية السعودية 2030 وتسارع التقارب السعودي ـ الصيني، تحوّل فضولها إلى فرصة حقيقية. وحين أتاح لها الابتعاث إلى الصين تعلم اللغة والتأهل لتدريسها، لم تتردد، معتبرة أن اللغة الجديدة ستثري تجربتها التعليمية وتفتح جسرا جديدا بين السعودية والصين.

ومن جانبه، تولى الدكتور همام وانغ قوانغ يوان، الأستاذ المشارك في جامعة بكين للغات والثقافة، تدريس مقرر "الثقافة الصينية والتواصل بين الثقافات" للدفعة الأولى. ولأن المشاركين كانوا لا يزالون في مرحلة تعزيز مهاراتهم اللغوية، أعاد تصميم المقرر بما يراعي التوازن بين عمقه ومستواهم في اللغة الصينية، ودمج تاريخ الصين وجغرافيتها وثقافتها وتاريخ التبادلات الصينية-العربية من خلال العروض المصورة وسرد القصص والمقارنات الثقافية والنقاشات داخل الفصل.

- الحياة في الصين... من تعلم اللغة إلى اكتشاف الثقافة

بالنسبة إلى هؤلاء المعلمين، لم تكن الدراسة في الصين تجربة أكاديمية فحسب، بل فرصة للتعرف عن قرب على المجتمع والثقافة وتفاصيل الحياة اليومية.

ويصف إبراهيم الحياة في الصين بأنها تبدو مختلفة في البداية، لكنها سرعان ما تصبح سهلة ومريحة، مشيرا إلى أن استخدام الهاتف يتيح إنجاز كثير من الأمور، من الدفع وطلب الطعام إلى استخدام وسائل النقل والاستفادة من مختلف الخدمات.

أما رِهام، فكان الشعور بالأمان في بكين من أكثر الأمور التي أشعرتها بالراحة، إلى جانب الدور اللافت الذي تؤديه التكنولوجيا في تيسير تفاصيل الحياة اليومية.

ومع تعلم اللغة والعيش في الصين، أتيح للمعلمين التعرف عن قرب على الثقافة الصينية، وما يرتبط بها من مفاهيم حول العمل والحياة والتنمية، إذ تشير رِهام إلى أن احترام الأسرة وكبار السن، والكرم، وتقدير التعليم والعمل والاجتهاد، كلها قيم وجدت فيها أوجه شبه مع المجتمع السعودي.

كما أعجبتها قدرة الصين على المضي قدما نحو المستقبل، مع الحفاظ على تاريخها وثقافتها، معتبرة أن السعودية والصين تلتقيان في الاعتزاز بجذورهما، وفي تطلعهما في الوقت نفسه إلى المستقبل.

- التواصل بين الشعبين... من مقاعد الدراسة إلى جسور الصداقة

لم يقتصر أثر التجربة على تعلم اللغة والثقافة، بل امتد إلى نظرة المعلمين للعلاقات السعودية-الصينية وآفاق التواصل بين الشعبين.

ولمس إبراهيم تطور هذه العلاقات من خلال ما رآه من حضور متزايد للغة الصينية في اللافتات بالمطارات السعودية، إلى جانب العربية والإنجليزية، ثم حضورها في المطاعم والمقاهي وقوائم الطعام، بالتزامن مع تزايد أعداد الزوار الصينيين. وفي المقابل، لاحظ تزايد إقبال السعوديين على زيارة الصين، وانتشار تجاربهم وتوصياتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وترى رِهام أن المسافة بين السعودية والصين أصبحت اليوم أقصر بكثير مما توحي به الخريطة، إذ لم تعد العلاقات تقتصر على التجارة والاقتصاد، بل صارت تشمل أيضا التعليم والثقافة والتكنولوجيا والاستثمار والتواصل بين الناس.

وتقول إن ما يجمع بين رؤية السعودية 2030 ومبادرة الحزام والطريق يمتد من التعاون الاقتصادي إلى تبادل المعرفة والثقافة والخبرات، وكأن طريق الحرير القديم يعود اليوم في صورة جديدة.

وفي هذه الرحلة، يؤكد المعلمون أن دورهم لا يقتصر على تعليم اللغة، وإنما يتضمن أيضا مد جسور جديدة للتفاهم والتقارب بين الشعبين.

ويأمل الدكتور وانغ أن يعود هؤلاء المعلمون إلى السعودية بعد إتمام دراستهم، وقد اكتسبوا مهارات راسخة في تدريس اللغة الصينية، وأن ينقلوا إلى الطلاب السعوديين، استنادا إلى تجاربهم الشخصية، صورة حقيقية ومتعددة الأبعاد عن الصين، ويسهموا من خلال فصولهم الدراسية في تعزيز الصداقة بين الشعبين ونقلها إلى الأجيال القادمة.