بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية
تستعد نيودلهي لاستضافة القمة الثامنة عشرة لبريكس يومي 12 و13 سبتمبر 2026، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتداعياتها على الأمن الإقليمي والعالمي والطاقة والتجارة العالمية. فيما يكتسب حضور مصر والإمارات وإيران كأعضاء في المجموعة، إلى جانب السعودية الداعم والمهم في ملفات الطاقة والاستثمار والاستقرار الإقليمي، أهمية خاصة داخل المجموعة. كما تتمثل أهمية القمة في اختبار قدرة بريكس الموسعة على الحفاظ على التعاون الاقتصادي والتنموي، وتعزيز شراكات دول الجنوب العالمي والدفع نحو نظام دولي أكثر تعددية في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية
لم يكن توجه دول الشرق الأوسط نحو بريكس قرارًا مفاجئًا، بل يعكس تحولًا في مقاربتها للعلاقات الدولية، يقوم على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة الاستراتيجية والاقتصادية بدل الارتهان لمحور واحد. وتوفر بريكس لهذه الدول منصة تجمع قوى اقتصادية صاعدة، وتفتح مجالات أوسع في التجارة والطاقة والاستثمار والتمويل والتكنولوجيا، بما يخدم خططها للتنويع الاقتصادي. فالسعودية والإمارات تسعيان إلى تقليل الاعتماد على النفط، ومصر إلى ترسيخ موقعها كمركز للتجارة واللوجستيات، فيما ترى إيران في المجموعة منفذًا لتوسيع علاقاتها الاقتصادية في ظل العقوبات. كما أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط وثقله في الطاقة والممرات التجارية يمنح دول المنطقة دورًا مؤثرًا داخل بريكس، ويجعل انضمامها مكسبًا متبادلًا، فهي تنوع خياراتها، بينما تعزز المجموعة حضورها في منطقة حيوية للاقتصاد العالمي.
تتجاوز مكاسب دول الشرق الأوسط من بريكس النفط والغاز إلى بناء شراكات متكاملة في الطاقة والتجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد. فاحتياجات الصين والهند من الطاقة تتقاطع مع القدرات السعودية والإماراتية، بينما يفتح التحول نحو الطاقة النظيفة مجالًا لدمج رأس المال والأسواق العربية مع القدرات الصينية في الطاقة الشمسية والبطاريات والهيدروجين والتقنيات منخفضة الكربون. وفي الوقت نفسه، تمنح قناة السويس والموانئ والخدمات اللوجستية الخليجية المنطقة دورًا محوريًا في ربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، ما يجعل أمن الخليج والبحر الأحمر جزءًا من أمن التجارة العالمية. ومن ثم، يمكن لبريكس أن تنقل التعاون من تبادل الموارد إلى بناء منظومات مشتركة للطاقة النظيفة والتصنيع واللوجستيات، وتعزيز مرونة الاقتصاد العالمي أمام الأزمات.
وقد يكون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي المجال الأهم لتحويل التعاون داخل بريكس من شراكات تجارية تقليدية إلى شراكات قائمة على بناء القدرات. فالصين تجمع بين التكنولوجيا والتصنيع والبنية التحتية الرقمية، بينما تمتلك السعودية والإمارات رأس المال والطموح لتسريع التحول الاقتصادي، وتوفر مصر سوقًا واسعة وقاعدة بشرية مؤهلة. ويتيح هذا التكامل الانتقال من مجرد استيراد التكنولوجيا إلى توطينها وتطويرها وبناء سلاسل قيمة مشتركة في الذكاء الاصطناعي والحوسبة والطاقة النظيفة والتقنيات الرقمية، بما يعزز الاستقلالية التكنولوجية لدول الجنوب العالمي ويمنح التعاون داخل بريكس بعدًا تنمويًا طويل الأمد.
إن بريكس ليس تحالفا مناهض للغرب، وإنما منصة لتوسيع الخيارات الاستراتيجية والاقتصادية، لا كتلة مغلقة في مواجهة طرف آخر. كما يمكن للمجموعة البناء على القواسم المشتركة، مثل خفض التصعيد، وتشجيع الحوار، وحماية الملاحة، والحد من تداعيات الصراعات على الطاقة والتجارة. ومن هنا تكمن قيمة بريكس في قدرتها على إدارة الاختلافات وفتح قنوات للحوار، لا في فرض تسويات سياسية على أعضائها أو خصومهم.
يمثل التعاون الصيني–العربي أحد أهم المسارات لتحويل حضور الشرق الأوسط في بريكس من عضوية سياسية إلى شراكة متعددة الأطراف ذات مضمون اقتصادي وتنموي. فالصين توفر التكنولوجيا والتصنيع والتمويل، بينما تمتلك الدول العربية الطاقة ورأس المال والأسواق والمواقع اللوجستية، وتضيف مصر موقعًا يربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. ومع مشاركة الهند، يمكن لهذه المقومات أن تتبلور في سلاسل تعاون جنوب–جنوب تتجاوز النفط والبنية التحتية إلى الصناعة والطاقة النظيفة والتكنولوجيا والأمن الغذائي. وبالنسبة إلى الصين، فإن استقرار الخليج والبحر الأحمر وحماية سلاسل الإمداد يمثلان مصلحة اقتصادية مباشرة، ما يجعل بريكس منصة محتملة لربط أمن الطاقة والاستقرار الإقليمي بالتنمية والتعاون الاقتصادي طويل الأمد.
خلاصة القول، إذا نجحت المجموعة في توظيف تنوع أعضائها ومزاياهم التكاملية في الطاقة ورأس المال والتكنولوجيا والتصنيع والتجارة والتمويل، فقد تتحول من مجرد تجمع اقتصادي متسع العضوية إلى منصة أكثر فاعلية للتعاون جنوب–جنوب، تربط آسيا بالشرق الأوسط وأفريقيا، وتدعم إعادة الإعمار والتنمية، بما يعزز حضورها في صياغة نظام دولي أكثر تعددية وتوازنًا.