شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>الصين ودول الحزام والطريق

المسار التاريخي والمعاصر للتواصل والتعلم المتبادل بين الحضارتين الصينية والعربية

2026-10-16 09:46:15   

حسن رجب، المدير المصري لمعهد كونفوشيوس في جامعة قناة السويس

حين نتحدث عن التواصل بين الحضارتين الصينية والعربية، فإننا لا نتحدث عن ظاهرة مستحدثة فرضتها العلاقات الدولية المعاصرة، ولا عن جسور بدأت بإقامة العلاقات الدبلوماسية الحديثة، وإنما نتحدث عن مسار تاريخي طويل سبق الدول الحديثة، وعبر الجغرافيا، وتجاوز الحدود، وتفاعل فيه البشر قبل أن تتفاعل المؤسسات.

لقد كان طريق الحرير أكثر من طريق للتجارة؛ كان طريقًا للأفكار، والمعارف، والعلوم، والعادات، واللغات، والتصورات عن الإنسان والعالم. وعلى امتداد هذا المسار، لم تكن السلع وحدها هي التي تنتقل من الشرق إلى الغرب، وإنما انتقلت معها قصص الشعوب، وخبراتها، ومعارفها، وصورها عن الآخر.

ومن هنا، يمكن القول إن التواصل الصيني العربي في جوهره لم يكن مجرد تبادل تجاري، بل كان منذ بداياته الأولى تبادلًا حضاريًا؛ فكلما التقت الطرق، التقت معها العقول، وكلما تحركت القوافل، تحركت معها الأفكار.

ولعل أهم ما يميز هذا التاريخ الطويل أن الحضارتين الصينية والعربية لم تكونا حضارتين منعزلتين عن العالم، بل كان لكل منهما إسهام أصيل في دوائر واسعة من التفاعل الحضاري. فالصين أسهمت في تشكيل جانب مهم من تاريخ الحضارة الإنسانية في مجالات متعددة، والعالم العربي كان عبر قرون طويلة مركزًا للعلم والترجمة والتبادل المعرفي، وجسرًا انتقلت عبره علوم وثقافات بين الشرق والغرب.

ومن ثم، فإن الحديث عن التعلم المتبادل بين الصين والعالم العربي ينبغي ألا يقوم على فكرة أن طرفًا يملك المعرفة والطرف الآخر يتلقاها؛ وإنما على قاعدة أكثر نضجًا، وهي أن كل حضارة تملك ما يمكن أن تعلمه، وما يمكن أن تتعلمه.

وهنا نصل إلى المرحلة الحديثة.

ففي القرن العشرين، انتقل التواصل الصيني العربي من دوائر الاتصال الحضاري والتجاري إلى مستوى جديد، هو مستوى العلاقات الرسمية والمؤسساتية. وقد أسهمت التحولات الدولية الكبرى في إعادة تشكيل طبيعة هذه العلاقة، فتحولت الروابط التاريخية إلى تعاون سياسي واقتصادي وثقافي أكثر انتظامًا.

ومن أبرز محطات هذا المسار إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر وجمهورية الصين الشعبية عام 1956، وهي خطوة لم تكن ذات دلالة ثنائية فحسب، وإنما حملت أهمية أوسع؛ فقد أصبحت مصر بوابة مهمة لتعزيز التواصل بين الصين والعالم العربي والقارة الأفريقية.

ومنذ ذلك الحين، أخذت العلاقات الصينية العربية تتطور بصورة تدريجية، ولم تعد الثقافة عنصرًا هامشيًا في هذه العلاقة، وإنما أصبحت أحد أهم روافدها وأكثرها استدامة.

وهنا أود أن أتوقف عند فكرة أراها أساسية: إن العلاقات بين الدول قد تبدأ بالسياسة، وقد تتسع بالاقتصاد، لكنها لا تترسخ حقًا إلا عندما تجد لها مكانًا في وعي الشعوب.

فالاستثمارات والاتفاقيات والمشروعات مهمة، ولكنها لا تكفي وحدها لصناعة علاقة طويلة الأمد. أما المعرفة المتبادلة، وتعلم اللغة، والترجمة، والتبادل الأكاديمي، والدراسات الحضارية، والاحتكاك المباشر بين الشعوب، فهي التي تصنع ذلك الفهم العميق الذي يجعل العلاقات أكثر رسوخًا وقدرة على الاستمرار.

وفي هذا السياق، تبدو الترجمة واحدة من أهم أدوات التواصل الحضاري بين الصين والعالم العربي.

فحين نترجم كتابًا من الصينية إلى العربية، فإننا لا ننقل كلمات من لغة إلى أخرى فحسب؛ بل ننقل طريقة في التفكير، وذاكرة ثقافية، ورؤية إلى المجتمع والإنسان والتنمية والتاريخ.

ولهذا، فإن المترجم ليس مجرد ناقل للنص، بل هو في كثير من الأحيان وسيط بين حضارتين، أو بتعبير أدق: صانع لجسر معرفي بين فضاءين ثقافيين.

ومن هنا تبرز أهمية أن ننتقل في المرحلة الراهنة من ترجمة النصوص إلى بناء منظومة متكاملة للتواصل المعرفي؛ منظومة تشمل الترجمة والنشر، والدراسات الصينية في الجامعات العربية، والدراسات العربية في الجامعات الصينية، وبرامج التبادل الأكاديمي، والمراكز البحثية المشتركة، والمؤتمرات العلمية، والمشروعات الرقمية التي تتيح للباحث والقارئ الوصول المباشر إلى إنتاج الطرف الآخر.

وهذا يقودنا إلى مفهوم بالغ الأهمية في عالمنا اليوم، هو التعلم المتبادل.

فالتعلم المتبادل لا يعني فقط أن نعرف الصين أكثر، أو أن تعرف الصين العالم العربي أكثر؛ بل يعني أن نعيد النظر في الطريقة التي ينظر بها كل طرف إلى الآخر.

ولسنوات طويلة، كانت معرفة العالم العربي بالصين محدودة نسبيًا، كما كانت معرفة شرائح واسعة من الصينيين بالعالم العربي محكومة أحيانًا بصور نمطية أو معرفة مجتزأة. ولذلك فإن واحدة من أهم مهامنا اليوم هي الانتقال من الصورة الذهنية إلى المعرفة، ومن المعرفة الجزئية إلى الفهم، ومن الفهم إلى الحوار.

وهنا تأتي أهمية الجامعات ومراكز الدراسات والباحثين.

فإذا كانت الدبلوماسية الرسمية تفتح الأبواب، فإن البحث العلمي هو الذي يتيح لنا أن نفهم ما وراء الأبواب.

نحن بحاجة إلى دراسات لا تكتفي بوصف الصين من الخارج، بل تحاول فهم التجربة الصينية من داخل سياقها التاريخي والثقافي والاجتماعي. وبالمثل، نحن بحاجة إلى أن يتعرف الجانب الصيني على العالم العربي في تعدده وتنوعه، لا من خلال صورة واحدة تختزل شعوبه وثقافاته وتجاربه.

إن التنوع العربي، مثل التنوع الصيني، يحتاج إلى أن يُقرأ ويُفهم من داخله، وأن نتجاوز التعميمات السريعة إلى المعرفة الدقيقة.

وفي عصر التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، أصبحت أمامنا فرصة غير مسبوقة لإعادة تعريف التواصل الحضاري.

فلم يعد التواصل محصورًا في الكتاب المطبوع أو المؤتمر العلمي أو التبادل الطلابي التقليدي. اليوم يمكن للمنصات الرقمية، والترجمة الآلية، وقواعد البيانات، والمكتبات الرقمية، والوسائط السمعية والبصرية، أن تجعل المعرفة الحضارية متاحة لجمهور أوسع بكثير.

لكن التكنولوجيا، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تحل محل الفهم الإنساني.

فالآلة تستطيع أن تترجم الجملة، لكنها لا تفهم دائمًا السياق الحضاري الذي ولدت فيه الجملة. تستطيع أن تنقل الكلمات، لكنها لا تنقل بالضرورة ما وراء الكلمات من دلالات ثقافية ورمزية. ولذلك فإن مستقبل التواصل بين الصين والعالم العربي ينبغي أن يجمع بين قوة التكنولوجيا وعمق الإنسان.

وفي تقديري، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على الانتقال من مجرد التواصل بين الحضارتين إلى التعاون في إنتاج المعرفة حولهما.

نحن لا نريد فقط أن يدرس العرب الصين، أو أن يدرس الصينيون العالم العربي؛ بل نريد أن يعمل الباحث العربي والباحث الصيني معًا على إنتاج معرفة مشتركة، وأن تتأسس مشروعات بحثية تتناول قضايا تهم الجانبين: التنمية، والثقافة، والتعليم، والترجمة، والتحول الرقمي، وحماية التراث، والشباب، ومستقبل العلاقات الدولية.

وفي هذا السياق، يكتسب التراث الثقافي أهمية خاصة، لأنه يمثل الذاكرة الحية للحضارات، ويجسد بصورة ملموسة ما تركته الشعوب من شواهد على إبداعها وتجاربها وتفاعلها عبر التاريخ. فمصر والصين تمتلكان ثروة هائلة من التراث الثقافي المادي وغير المادي، من المعابد والأهرامات والمدن التاريخية والمخطوطات والفنون التقليدية في مصر، إلى سور الصين العظيم والقصور والمعابد والمواقع الأثرية والحرف التقليدية في الصين. ولا تقتصر أهمية هذا التراث على قيمته التاريخية أو الجمالية، بل تمتد إلى دوره في تعزيز الهوية، وترسيخ الوعي بالتاريخ، وفتح مساحات جديدة للحوار بين الحضارات. ولذلك، فإن حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه ليست مسؤولية وطنية فحسب، وإنما هي مسؤولية إنسانية مشتركة؛ لأن ما حفظته حضارة واحدة عبر آلاف السنين يمكن أن يصبح جزءًا من الذاكرة المشتركة للإنسانية جمعاء. ومن هنا، فإن التعاون في حماية التراث ودراسته وترميمه ورقمنته وإتاحته للأجيال الجديدة يمثل أحد أكثر أشكال التعلم المتبادل عمقًا واستدامة.

وهنا تصبح العلاقة الحضارية أكثر عمقًا؛ لأنها لا تقوم فقط على سؤال: ماذا نعرف عن الآخر؟، وإنما على سؤال أكثر أهمية: ماذا نستطيع أن نبني معًا؟

إن إحياء الذكرى السبعين للعلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين ليس مناسبة للاحتفاء بالماضي فحسب، بل هو فرصة لكي نسأل أنفسنا: كيف نحول هذا الرصيد التاريخي الهائل إلى قوة حية في المستقبل؟

والإجابة، في تقديري، تبدأ من الإنسان.

تبدأ من الطالب الذي يتعلم لغة الآخر، ومن الباحث الذي يدرس ثقافته، ومن المترجم الذي يفتح كتابًا بين لغتين، ومن الأستاذ الذي يعلّم طلابه أن الاختلاف بين الحضارات ليس حاجزًا، بل يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة والإثراء.

فالحضارات لا تلتقي فقط حين توقع الحكومات اتفاقياتها، وإنما تلتقي حين يتعلم الإنسان أن يرى الآخر لا بوصفه غريبًا، وإنما بوصفه شريكًا في الإنسانية.

ومن هنا، فإن أعظم ما يمكن أن نبنيه بين الصين والعالم العربي ليس مجرد جسور اقتصادية أو مؤسساتية، وإنما جسور معرفية وثقافية وإنسانية؛ جسورًا لا تعبرها السلع والمشروعات وحدها، بل تعبرها أيضًا الكتب والأفكار واللغات والأسئلة والطموحات المشتركة.

ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو أن طريق التواصل بين الحضارتين الصينية والعربية لم يبدأ اليوم، ولن ينتهي اليوم.

لقد بدأ منذ أن التقت القوافل على طرق العالم القديم، واستمر عبر القرون، وتجدد في العصر الحديث، وها نحن اليوم أمام مسؤولية جديدة: أن نحول هذا التاريخ الطويل من التواصل إلى مستقبل أعمق من التفاهم، وأوسع من التعاون، وأكثر رسوخًا في الوعي الإنساني.

فإذا كان طريق الحرير القديم قد ربط شرق العالم بغربه، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نبني طريقًا جديدًا للمعرفة والتعلم المتبادل؛ طريقًا لا يحمل البضائع فحسب، وإنما يحمل الفكر، والثقافة، والخبرة، والاحترام، والثقة.

وحين تصبح المعرفة أساس العلاقة، والحوار وسيلتها، والاحترام المتبادل روحها، فإن الحضارتين الصينية والعربية لن تظلا تستعيدان تاريخًا مشتركًا فحسب، بل ستكتبان فصلًا جديدًا من فصول التعاون الحضاري في العصر الجديد.

(هذا هو نص الكلمة التي القاها الكاتب خلال الحوار العالمي حول الدراسات الصينية الذي يقام بالقاهرة في سبتمبر عام 2026)