شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>الصين ودول الحزام والطريق

الصين من الداخل في عيون باحث سعودي (2):  ليلة في قرية لا يعرف اسمها أحد

2026-10-19 14:47:18   

مقدمة:

تقف الصين اليوم أمام سؤال يختلف عن السؤال الذي رافق صعودها. فلم يعد التحدي كيف يبدأ النمو، بل كيف يستمر حين تتغير الشروط التي صنعته. ومع ذلك، كثيرا ما يختزل النقاش حول الصين، عربيا وعالميا، في صورتين: معجزة بلا تفسير، أو خطر بلا قياس. وبينهما تضيع الأسئلة الأهم: من يقرر؟ من يمول؟ كيف تخصص الموارد؟ كيف تتشكل الحوافز؟ وأين تنتهي الدولة ويبدأ السوق؟

من هنا جاءت فكرة هذه المقالات التي يتم تحضيرها من عابد علي الشريف، نائب مدير مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في جامعة بكين: دراسة تجربة الصين لاستخدامها مدخلا لفهم التنمية نفسها؛ من خلال مؤسساتها وحوافزها وحدودها، وكيف بنت قدرتها، وكيف استخدمت مواردها، وما الذي أسهم في نجاحها، وما الذي ينبغي التحسين.

فهذه الأسئلة لا تخص الصين وحدها، بل تتصل بسؤال أوسع يهم العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص: ماذا تكشف التجربة الصينية عن العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الاستثمار والإنتاجية، وبين تعبئة الموارد وكفاءة استخدامها؟ هذه السلسلة لا تسأل: هل نستطيع أن نصبح مثل الصين؟ بل تسأل سؤالا أعمق: ماذا يمكن أن نفهم عن التنمية من خلال التجربة الصينية؟

المقال الأول: الصين لم تبدأ من الصفر

المقال الثاني

ليلة في قرية لا يعرف اسمها أحد

لم تبدأ كل خطوات الإصلاح بقرار من بكين. ففي قرية صغيرة، اتخذ التغيير فيها شكل اتفاق بين جيران. تدعى القرية (Xiǎogǎng)شياوقانغ، في بلدة (Fèngyáng)فنغيانغ، بمقاطعة (Ānhuī)آنهوي. وهناك، في أواخر 1978، اجتمع عدد من الأهالي لتغيير طريقة زراعة الأرض، من دون إبلاغ السلطات العليا.

كان الفقر في القرية معروفا، حيث اعتمدت الأسر على الإعانات لتأمين معيشتها، وعلى القروض لتمويل الإنتاج، ويخرج بعض أهلها طلبا للطعام. ولم تكن المشكلة عباره فكرة في كتاب بل كانت محصولا لا يكفي وحاجة تتكرر.

ثم ضرب الجفاف (Ānhuī)آنهوي خلال صيف وخريف عام 1978 ، فأصبحت الزراعة أشد صعوبة. وفي إحدى ليالي أواخر ذلك العام، اجتمع ثمانية عشر من ممثلي أسر القرية وكتبوا ورقة قصيرة. لم تكن بيانا ولا مشروع قانون؛ كانت اتفاقا داخليا على توزيع مسؤولية الزراعة بين الأسر.

تتولى كل أسرة زراعة نصيبها من الأرض، وتفي بالتزاماتها تجاه الدولة والجماعة، ويكون لها ما يتبقى. وعلى الورقة كتبت الأسماء، ووضعت البصمات والأختام.

لكن في ذلك الاتفاق بندا يستحق أن نتوقف عنده، حيث أبدى مسؤولو فريق الإنتاج استعدادهم لتحمل العقوبة المحتملة، وتعهد بقية الأعضاء بإعالة أطفالهم حتى يبلغوا الثامنة عشرة في حال حدوث عواقب سلبية.

في هذا البند ما يكفي لفهم المخاطرة كما تصوروها. فالورقة لم تنظم ما ستفعله الأسر بالأرض فقط، بل نظمت أيضا ما ستفعله بأطفال من يتحملون المسؤولية إذا جاءت العقوبة، وهو ما يعكس الوعي بالمسؤولية المجتمعية.

والأهم أن الاتفاق لم يحول الأرض إلى ملكية خاصة للأسر. بقيت الملكية جماعية، لكن مسؤولية الزراعة انتقلت إلى الأسرة، وأصبح عائدها مرتبطا بنتائج عملها. فالملكية الجماعية شيء، وتنظيم العمل بصورة جماعية شيء آخر. فالإبقاء على الأولى لم يمنع تغيير الثانية.

وهنا نعود إلى الصلة بين الجهد والعائد. حين تعرف الأسرة أن ما تنتجه بعد الوفاء بالتزاماتها سيبقى لها، يصبح للجهد الإضافي عائد مباشر. ويصبح تنظيم العمل، والعناية بالمحصول، واستخدام الوقت والموارد، أمورا تتصل بما سيعود عليها هي، لا بما سيضاف إلى إنتاج الجماعة فحسب.

فالتغيير لا يقتصر على من يعمل في الأرض؛ بل يشمل من يدير العمل، ومن يتحمل نتائجه، ومن يحصل على عائده. وهذا هو التمييز بين ملكية الأرض وحقوق استخدامها وإدارتها والانتفاع بها الذي تبرزه الدراسات حول نظام المسؤولية الأسرية.

ثم جاء محصول 1979. وسجل ارتفاع كبير في إنتاج القرية، وتسليم حبوب ومحاصيل زيتية للدولة، وسداد قروض. لكن حصاد سنة واحدة بعد جفاف لا يكفي وحده لقياس أثر الحوافز؛ فذلك يحتاج إلى الفصل بين أثر تغيير تنظيم العمل وبين أثر الطقس وغيره من العوامل. فزيادة المحصول نتيجة يمكن ملاحظتها، أما تفسير مقدار هذه الزيادة فمسألة أخرى.

ولم تكن (Xiǎogǎng)شياوقانغ وحدها في هذا المسار. فقد سبقتها تجارب لتوزيع مسؤولية الإنتاج على الأسر في مناطق أخرى من (Ānhuī)آنهوي، ومنها منطقة (Shānnán)شاننان في سبتمبر 1978. لذلك لا يمكن ان نختصر ليلة واحدة تاريخ الإصلاح الزراعي كله، لكنها تتيح لنا رؤية التغيير على مستوى الأسرة والقرية، لا على مستوى القرارات المركزية وحدها.

والمعنى هنا ليس أن الأهالي اكتشفوا الحوافز، بل أنهم وضعوا ترتيبا يربط مسؤولية الإنتاج بالعائد، مع الإبقاء على ملكية الأرض للجماعة. وتحول هذا الترتيب إلى صيغة مقبولة رسميا، فلم يكن أمرا تحسمه ورقة بين الجيران؛ إذ ظل التعاقد مع الأسر موضوعا للخلاف بين المسؤولين.

كانت الورقة اتفاقا بين أهل القرية، لا إذنا من الدولة. وقد كتبوا فيها ما يلتزمون به، وما سيفعلونه إذا تعرض مسؤولوهم للعقوبة.

فماذا حدث حين عرف المسؤولون؟ ومن سمح للتجربة بأن تستمر؟