مقدمة:
تقف الصين اليوم أمام سؤال يختلف عن السؤال الذي رافق صعودها. فلم يعد التحدي كيف يبدأ النمو، بل كيف يستمر حين تتغير الشروط التي صنعته. ومع ذلك، كثيرا ما يختزل النقاش حول الصين، عربيا وعالميا، في صورتين: معجزة بلا تفسير، أو خطر بلا قياس. وبينهما تضيع الأسئلة الأهم: من يقرر؟ من يمول؟ كيف تخصص الموارد؟ كيف تتشكل الحوافز؟ وأين تنتهي الدولة ويبدأ السوق؟
من هنا جاءت فكرة هذه المقالات التي يتم تحضيرها من عابد علي الشريف، نائب مدير مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في جامعة بكين: دراسة تجربة الصين لاستخدامها مدخلا لفهم التنمية نفسها؛ من خلال مؤسساتها وحوافزها وحدودها، وكيف بنت قدرتها، وكيف استخدمت مواردها، وما الذي أسهم في نجاحها، وما الذي ينبغي التحسين.
فهذه الأسئلة لا تخص الصين وحدها، بل تتصل بسؤال أوسع يهم العالم، والعالم العربي على وجه الخصوص: ماذا تكشف التجربة الصينية عن العلاقة بين الدولة والسوق، وبين الاستثمار والإنتاجية، وبين تعبئة الموارد وكفاءة استخدامها؟ هذه السلسلة لا تسأل: هل نستطيع أن نصبح مثل الصين؟ بل تسأل سؤالا أعمق: ماذا يمكن أن نفهم عن التنمية من خلال التجربة الصينية؟
المقال الأول: الصين لم تبدأ من الصفر
المقال الثاني: ليلة في قرية لا يعرف اسمها أحد

المقال الثالث
الدولة لم توافق… ولم تمنع
لم يبدأ الإصلاح الريفي الصيني بموافقة مكتملة من المركز، لكنه لم يتحرك في غياب الدولة أيضا. ففي أواخر السبعينيات، ظلت السياسة المركزية تقيد إسناد الإنتاج الزراعي إلى الأسر بدلا من فرق الإنتاج الجماعي، بينما أخذت بعض المبادرات المحلية تختبر هذا الترتيب، مستفيدة من دعم مسؤولين في بعض المقاطعات. وبين القاعدة الرسمية والممارسة المحلية، وجدت التجربة مساحة لم تكن متاحة بالقدر نفسه في كل مكان.
ويمكن فهم هذه المساحة بوصفها نوعا من الغموض المنتج فلا غياب للقيود، ولا سياسة محكمة صممت مسبقا، بل تفاوتا بين ما تسمح به القواعد وما تتسع له الممارسة. فقد أعطى هذا الغموض المسؤول المحلي مساحة للعمل، وأعطى المركز مساحة للتراجع عن أي تجربة تفشل فلا إقرار يقطع، ولا منع يحسم. وقد أتاح ذلك لبعض التجارب أن تستمر قبل حصولها على إقرار عام، لكنه أبقاها عرضة للاعتراض والتراجع. فالغموض قد يفتح باب التجريب، لكنه لا يكفي لحماية ما ينشأ عنه.
فالنتائج الميدانية حجة مهمة في تغيير أي الموقف. فقد وفرت تجارب محلية ناجحة أساسا عمليا للمدافعين عن التعاقد الأسري، وأسهمت في مراجعة القيود المفروضة عليه. لم يكن الحقل بديلا عن السياسة، لكنه منح الإصلاح حجة داخلها فلم يعد النقاش يدور حول ما يخشى أن يحدث وحده، بل حول ما حدث بالفعل. وكان في ذلك حافز مباشر للمسؤول المحلي فالمحصول الأكبر يعني إيرادا أكبر للمحافظة، وقدرة أكبر على تمويل ما تحتاجه من طرق ومدارس؛ ولذلك كان يدافع عن تجربة تحميها نتيجتها، لا عن فكرة يقتنع بها وحدها.
ويظهر هذا التحول في تسلسل الوثائق. ففي سبتمبر 1980، أصدرت اللجنة المركزية "محضر الاجتماع بشأن زيادة تعزيز وتحسين نظام مسؤولية الإنتاج الزراعي"، والذي أكد على الأشكال المختلفة لأنظمة مسؤولية الإنتاج الزراعي التي تم إنشاؤها في مختلف المناطق منذ عام 1978.
وفي يناير 1982، اعترفت الوثيقة المركزية رقم 1 حول العمل الريفي بالتعاقد الأسري بوصفه إحدى صيغ المسؤولية الإنتاجية في الاقتصاد الجماعي الاشتراكي. وهنا تغير موقع التجربة داخل النظام فلم تعد تعامل باعتبارها خروجا عليه، بل ترتيبا يمكن استيعابه ضمنه. بقيت ملكية الأرض جماعية، بينما اتسعت مسؤولية الأسرة عن إدارة الإنتاج وتحمل نتائجه.
ثم أكدت وثيقة يناير 1984 استقرار النظام، ونصت على أن تكون مدة التعاقد على الأرض خمسة عشر عاما فأكثر، في العموم، لتشجيع الاستثمار وتحسين خصوبة التربة. لم تعد المسألة مجرد السماح للأسرة بأن تنتج، بل منحها أفقا زمنيا يشجعها على الاستثمار. فالحوافز لا تتوقف على ما يستطيع المنتج كسبه اليوم، بل تتصل أيضا بمدى اطمئنانه إلى الانتفاع بثمرة جهده غدا. وبعد ذلك العام، عمم النظام على نحو 98٪ من وحدات الإنتاج الزراعي، فصار الوضع الطبيعي لا الاستثناء.
يكشف هذا التسلسل عن تفاعل بين التجريب والإقرار، لا عن تعارض بينهما. فالممارسة دفعت إلى مراجعة السياسة، والسياسة المعدلة وسعت مجال الممارسة وثبتت شروطها. ولهذا لا يختزل الإصلاح في قرار واحد، ولا في مبادرات محلية انتشرت تلقائيا فقد احتاج انتقال التجربة من الاستثناء إلى القاعدة إلى تغيير في المؤسسات التي تحدد مشروعيتها وحدودها. وكانت الصيغة التي حكمت المسار كله هي تجربة تسبق القرار، ونتيجة تسبق الإقرار، وتوسع يسبق التشريع.
وفي 20 أكتوبر 1984، أقرت اللجنة المركزية قرار إصلاح النظام الاقتصادي، مؤكدة تسريع الإصلاح مع التركيز على المدن. لم يكن ذلك نقلا حرفيا لتجربة القرية إلى المصنع؛ فالقرار استند أيضا إلى تجارب حضرية - التمدن- سبقته. لكنه جعل توسيع استقلالية المؤسسات وإعادة تنظيم علاقتها بالدولة، وعلاقة العاملين بها، في صميم الإصلاح. بذلك اتسع السؤال من مسؤولية الأسرة عن الإنتاج الزراعي إلى مسؤولية المنشأة عن قراراتها ونتائجها.
ولم يكن الطريق ساكنا بعد ذلك، بل واصل تطوره مع اتساع التجربة وتغير احتياجات الاقتصاد. ففي نهاية الثمانينيات دخلت الصين مرحلة جديدة من النقاش حول وتيرة الإصلاح واتجاهاته، وأصبحت التجربة أكثر نضجا في الموازنة بين التوسع والاستقرار. وما ميز المسار الصيني هو قدرته على مواصلة التقدم مع تطوير أدواته، بحيث تراكمت الخبرة مع كل مرحلة واتسعت معها مساحة التعلم المؤسسي.
فالإصلاح لم يبدأ بقرار واحد، ولم ينتشر دفعة واحدة. بدأ في نطاقات محدودة، ثم اتسع من قرية إلى بلدة، ومن محافظة إلى مقاطعة، ومن تجربة محلية إلى سياسة أوسع. ولهذا بدت التجربة الصينية متدرجة في صياغتها، لكنها كانت سريعة في توسيع ما يثبت نجاحه. فالسرعة لم تكن دائما في صدور القرار، بل في انتقال الفكرة الناجحة، وفي قدرة المؤسسات على استيعابها وتطويرها وتوسيع نطاقها.
ومن هنا يظهر أحد أهم دروس التنمية: أن قوة السياسات تكمن في قدرتها على الجمع بين الثبات والمرونة. فالتجريب يفتح المجال أمام المبادرة، والتقييم يوضح ما يستحق التوسع، والمؤسسات تمنح التجارب الناجحة إطارا أكثر استقرارا واستمرارا. وبين المرونة والثقة تتكون بيئة تسمح بالتطور المتدرج، وتمنح الأفراد والشركات أساسا أوضح لبناء قراراتهم على المدى الطويل.
ففي مقالنا القادم كيف اتسع مجال السوق داخل دولة لم تلغ خطتها؟