شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>الصين ودول الحزام والطريق

أول زيارة لسلطان عُماني إلى الصين منذ 1978.. شراكة استراتيجية تستلهم إرث طريق الحرير وتصنع المستقبل

2026-11-02 16:45:19   

بقلم/ د. فايزة سعيد كاب، باحثة جزائرية في الشؤون الصينية والعلاقات الصينية الدولية

تلبيةً لدعوة الرئيس الصيني شي جين بينغ، بدأ السلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، بزيارة دولة إلى الصين تستغرق يومين، في 1و2 نوفمبر الجاري، في محطة تاريخية في مسار العلاقات العُمانية ـ الصينية، باعتبارها أول زيارة لسلطان عُماني إلى الصين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في 25 مايو 1978. وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها فرصة لتجديد الشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أعلنت عام 2018، وتوسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري والتكنولوجي والثقافي، بما يواكب التحولات الدولية ويخدم المصالح المشتركة للبلدين.

كما تأتي هذه الزيارة في ظل متغيرات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، وتنامي مكانة الصين بوصفها قوة اقتصادية وتكنولوجية مؤثرة، بالتزامن مع توجه سلطنة عُمان نحو تنويع شراكاتها الدولية وتعزيز حضورها في الاقتصاد العالمي، وفق مستهدفات رؤية عُمان 2040. ومن هذا المنطق، تبرز أهمية الانتقال بالعلاقات الثنائية إلى مرحلة أكثر تكاملاً، تقوم على توسيع الاستثمارات النوعية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيزالمصالح الإقتصادية المتبادلة، إلى جانب استمرار التشاور السياسي بشأن القضايا الاقليمية والدولية، في إطار من الاحترام المتبادل والحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

شهدت العلاقات العُمانية ـ الصينية تطورًا متواصلًا منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية عام 1978، وصولًا إلى الارتقاء بها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية عام2018، بالتزامن مع توقيع مذكرة تفاهم للتعاون في إطار مبادرة " الحزام والطريق". وشملت مجالات التعاون التجارة والاستثمار والطاقة والصناعة والتكنولوجيا، فضلًا عن تعزيز التشاور السياسي. وتمثل الزيارة الحالية فرصة للبناء على ما تحقق، من خلال تطوير تفاهمات عملية وإطلاق مشروعات مشتركة تترجم مستوى العلاقات السياسية ومكاسب تنموية واقتصادية ملموسة.

ويستند هذا التعاون إلى إرث تاريخي من التواصل البحري والتجاري بين البلدين يعود إلى أكثر من 12 قرنًا، حين ربطت الملاحة البحرية الموانئ العُمانية، وفي مقدمتها صحار، بالصين والهند وشرق أفريقيا. ومن أبرز محطات هذا التواصل وصول التاجر العُماني أبي عبيدة عبد الله بن القاسم إلى الصين عام 750 م، إلى جانب رحلات الاسطول الصيني بقيادة تشنغ خه إلى سواحل المنطقة في القرن 15. ويكتسب هذا الإرث أهمية متجددة في ظل مبادرة" الحزام والطريق"، التي تتيح فرصًا لتطوير التعاون التجاري واللوجستي والاستثماري. فبفضل موقعها الجغرافي وموانئها ومناطقها الاقتصادية، تمتلك سلطنة عُمان مقومات تؤهلها لتكون مركزًا إقليميًا للتصنيع والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير، بوابة للشركات الصينية نحو أسواق الخليج والهند وشرق أفريقيا.

في ضوء هذه المقومات، يمثل التعاون الاقتصادي أحد أبرز مسارات تطوير الشراكة، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 32.87 مليار دولار عام 2025، منها 5.61 مليارات دولار صادرات صينية إلى عُمان، مقابل 27.26 مليار دولار واردات صينية منها، بما يعكس أهمية السوق الصينية للصادرات العُمانية، ولا سيما النفط الخام، ومكانة الصين بوصفها أكبر شريك تجاري لعُمان. وتؤكد هذه الأرقام أهمية العمل على تنويع مجالات التبادل التجاري وتقليل الاعتماد على صادرات الطاقة، من خلال توسيع الاستثمارات المشتركة في الصناعات التحويلية وبتروكيماويات والمعادن والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية.

وتبرز المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم بوصفها إحدى أهم الفرص المتاحة لتعزيز هذه الشراكة، لما تتمتع به من موقع استراتيجي وإمكانات صناعية ولوجستية تتيح استقطاب الاستثمارات الصينية وتطوير مشروعات متكاملة تسهم في توطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وتوفير فرص عمل نوعية. ويتسق ذلك مع مستهدفات رؤية عُمان 2040 في تنويع مصادر الدخل وتعزيز دور القطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات النوعية. غير أن تحقيق القيمة الاقتصادية المنشودة يتطلب التركيز على جودة الاستثمارات، وربطها بنقل المعرفة وتدريب الكوادر الوطنية وتطوير سلاسل التوريد المحلية وإشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، بما تضمن أن تتعكس المشروعات المشتركة على الانتاجية والتنافسية وبناء اقتصاد أكثر تنوعًا واستدامة.

كما يمتد التعاون الاقتصادي إلى مجالات الطاقة والتكنولوجيا، التي تتيح فرصًا واعدة في ظل توجه السلطنة إلى تطوير الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر، وتسريع التحول الرقمي وبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وتمتلك عُمان إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، في حين تتمتع الصين بخبرات صناعة وتقنية متقدمة في إنتاج الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية وتقنيات التخزين والشبكات الذكية، الأمر الذي يفتح المجال أمام إقامة مشروعات مشتركة تدعم تنويع الاقتصاد وخفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة. كما تشمل الفرص المتاحة مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاتصالات والخدمات الرقمية، من خلال توظيف الخبرات الصينية في تطوير البنية الأساسية الرقمية وتوسيع استخدام التقنيات الحديثة في قطاعات الصناعة والخدمات اللوجستية والتعليم والصحة. ويكتسب هذا التعاون أهمية إضافية إذا اقترن بدعم البحث والتطوير وتوطين التكنولوجيا وتأهيل الكوادر الوطنية، بما يسهم في بناء قدرات تقنية محلية، وينقل العلاقة من التبادل التجاري التقليدي إلى شراكة إنتاجية قائمة على الابتكار ونقل المعرفة.

ولا تقتصر آفاق التعاون على الجوانب الاقتصادية والتكنولوجية، بل تمتد إلى المجالات الثقافية والتعليمية، باعتبارها اساسًا لتعزيز التواصل بين الشعبين وضمان استدامة العلاقات. ويتيح الإرث البحري والتجاري المشترك فرصًا لتنظيم المعارض والبرامج الثقافية والسياحية، وتوسيع التبادل بين المؤسسات والمتاحف، إلى جانب تعزيز التعاون الأكاديمي والبحثي وزيادة المنح الدراسية والتبادل الجامعي والتدريب المهني، خصوصًا في مجالات الهندسة والذكاء الاصطناعي والاتصالات والطاقة والصناعات المتقدمة، فضلًا عن تعليم اللغتين العربية والصينية. وفي هذا الإطار، يبرز كرسي السلطان قابوس لدراسات اللغة العربية بجامعة بكين بوصفه إحدى المبادرات التي تسهم في نشر اللغة العربية وتعزيز الدراسات العربية والتواصل الثقافي بين البلدين. كما تشير بيانات إعلامية إلى استفادة أكثر من 1200 فني ومسؤول تنفيذي عُماني من برامج تدريب متخصصة قدمتها جهات صينية. وتعكس هذه التجربة أهمية التعاون في بناء القدرات البشرية، وإمكانية توسيعه ليتلاءم مع احتياجات الاقتصاد العُماني وسوق العمل، بحيث يصبح التعليم والتدريب جزءًا متكاملًا من المشروعات الاقتصادية والتكنولوجية المشتركة.

وعلى الصعيد السياسي، تكتسب الزيارة أهمية في ظل التوترات التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط وانعكاساتها على أمن الملاحة والتجارة الدولية. ويستند التنسيق بين مسقط وبكين إلى تقارب مواقف البلدين بشأن الحوار واحترام سيادة الدول وتغليب الحلول الدبلوماسية، حيث تمتلك عُمان خبرة في الوساطة وتسير الحوار، فيما تتمتع الصين بثقل دبلوماسي وعلاقات دولية واسعة يمكن توظيفها لدعم جهود خفض التصعيد وتعزيز التشاور بشأن قصايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وأمن الممرات البحرية. ومن شأن تعزيز هذا التنسيق أن يدعم المسارات الدبلوماسية وفرص التفاهم وتجنب اتساع النزاعات، من خلال مبادرات عملية وتعاون مستمر مع الأطراف المعنية. ورغم أن الزيارة لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمات الإقليمية، فإنها تمثل فرصة لتعزيز الثقة وتبادل وجهات النظر بشأن التحديات المشتركة، بما يخدم استقرار المنطقة ويحمي المصالح الاقتصادية للبلدين، ولا سيما أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.

ختامًا، تفتح زيارة السلطان هيثم بن طارق إلى الصين أفاقًا لمرحلة جديدة في مسار العلاقات العُمانية ـ الصينية، التي تمتد جذورها الدبلوماسية إلى نحو 48 عامًا، فيما مضى 8 أعوام على ارتقائها إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية. وتمثل هذه الزيارة فرصة للبناء على إرث تاريخي عريق يمتد لأكثر من 12 قرنًا، واستثمار ما يجمع البلدين من مصالح اقتصادية وتنموية ورؤى مشتركة تجاه مستقبل التعاون في مجالات الصناعة والطاقة والتكنولوجيا والتعليم والثقافة والتنسيق السياسي. وتظل أهمية هذه الشراكة مرتبطة بمدى نجاح الجانبين في ترجمة التفاهمات إلى مشروعات نوعية ونتائج ملموسة، تحقق قيمة مضافة للاقتصاد العُماني، وتسهم في توطين المعرفة وتأهيل الكفاءات الوطنية وتعزيز الحوار والاستقرار. وبذلك، تتجاوز العلاقات العُمانية ـ الصينية حدود التعاون التقليدي لتؤسس لشراكة استراتيجية تستلهم عمق التاريخ، وتستثمر فرص الحاضر، وترسم ملامح مستقبل أكثر ازدهارًا للبلدين وشعبيهما.