حظي الاقتصاد الصيني ببداية قوية خلال الربع الأول من العام، حيث نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.0 في المائة على أساس سنوي. وقد أظهرت المؤشرات الرئيسية، على امتداد القطاعات كافة، أداءً مشجعاً، إذ تسلط أربع كلمات مفتاحية الضوء على جودة الأداء الاقتصادي للبلاد في الربع الأول، وما يكمن وراءه من قوة متأصلة.
تحسن مطرد
تُظهر البيانات الأولية أن الناتج المحلي الإجمالي للصين قد بلغ ما يقرب من 33.42 تريليون يوان (4.9 تريليون دولار) خلال الربع الأول من العام، مسجلاً نمواً حقيقياً بنسبة 5 في المائة على أساس سنوي، وهو ما يمثل زيادة قدرها 0.5 نقطة مئوية مقارنة بالربع الرابع من العام الماضي.
وعند تحليل هذه البيانات تفصيليًا، يتبين أن الإنتاج الزراعي قد حافظ على استقراره، في حين سجل قطاعا الصناعة والخدمات نمواً مطرداً. فقد بلغت القيمة المضافة للقطاع الأولي 1.19 تريليون يوان، بزيادة قدرها 3.8 في المائة. ونما القطاع الثانوي بنسبة 4.9 في المائة ليصل إلى 11.61 تريليون يوان. بينما ارتفع القطاع الثالث بنسبة 5.2 في المائة ليبلغ 20.61 تريليون يوان.
كما ظلت مستويات الأسعار مستقرة بشكل عام، حيث ارتفع مؤشر أسعار المستهلك الأساسي (الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة) بنسبة 1.2 في المائة على أساس سنوي. وشهد الاستثمار أيضاً انتعاشاً، إذ بلغ حجم الاستثمار في الأصول الثابتة (باستثناء الأسر الريفية) 10.27 تريليون يوان، بزيادة قدرها 1.7 في المائة، ليعود بذلك إلى مسار النمو الإيجابي.
وأظهر الاستهلاك تحسناً مطرداً، حيث ارتفعت مبيعات التجزئة للسلع الاستهلاكية بنسبة 2.4 في المائة على أساس سنوي لتصل إلى ما يقرب من 12.77 تريليون يوان، مسجلة تسارعاً قدره 0.7 نقطة مئوية مقارنة بالربع السابق. كما ظل وضع التوظيف مستقراً، حيث بلغ متوسط معدل البطالة الحضري المُسجَّل عبر المسح 5.3 في المائة، وهو معدل لم يطرأ عليه أي تغيير مقارنة بالعام السابق.
وفي هذا السياق، صرّح ماو شنغ يونغ، نائب رئيس المكتب الوطني للإحصاء، قائلاً: "بشكل عام، شهدت مؤشرات الاقتصاد الكلي الرئيسية تحسناً ملحوظاً خلال الربع الأول، كما توسعت محركات النمو الجديدة بوتيرة سريعة، مما مكن الاقتصاد من تحقيق بداية موفقة".
مرونة راسخة
سجل الاقتصاد الصيني أداءً افتتاحيًا قويًا، على الرغم من مواجهة قاعدة مقارنة مرتفعة قياسًا بالربع الأول من العام الماضي وفي ظل آفاق عالمية أكثر تعقيدًا وتحديًا، مبرهنًا بذلك على مرونته اللافتة للنظر.
ولنأخذ التجارة الخارجية على سبيل المثال، ففي الربع الأول من العام، بلغ إجمالي واردات وصادرات الصين من السلع ما يقرب من 11.84 تريليون يوان، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي، وهو أسرع نمو ربع سنوي تشهده البلاد خلال السنوات الخمس الماضية. وفي هذا السياق، أشار ماو شنغ يونغ إلى أن القدرة التنافسية القوية للمؤسسات الصينية، والفعالية العالية لتكلفة منتجاتها، إلى جانب التدابير السياسية الداعمة، قد ساعدت جميعها في تعويض تأثير حالة عدم اليقين الخارجي وفتح آفاق جديدة للتجارة.
كما يعكس أمن الطاقة هذه المرونة أيضاً، حيث قال ماو شنغ يونغ : "في خضم الارتفاع العالمي لأسعار الطاقة -الذي تغذيه التوترات الجيوسياسية- حافظت الصين على إمدادات طاقة مستقرة ومنظمة، مع إجراء تعديلات سعرية في الوقت المناسب لضمان توفير طاقة كافية لكل من الأسر والشركات".
وأضاف أن هذا الاستقرار ينبع من سنوات من الجهود الاستشرافية الرامية إلى تطوير صناعات الطاقة الجديدة وبناء نظام متنوع لإمدادات الطاقة، مما عزز بشكل كبير من استقلالية الاقتصاد واستقراره.
وبفضل الدعم الذي يوفره السوق المحلي الصيني الهائل، والنظام الصناعي المتكامل، والقدرات المساندة القوية، ظلت السلاسل الصناعية وسلاسل التوريد آمنة ومستقرة، مما عمل بفعالية على امتصاص الصدمات الخارجية. ويبرهن هذا الأمر على المرونة القوية والقدرة العالية على مقاومة المخاطر التي تتمتع بها الصناعة الصينية، كما يوفر دعماً راسخاً للاستقرار الاقتصادي الشامل.
تنمية عالية الجودة مدفوعة بالابتكار
واصلت "قوى الإنتاج النوعية الجديدة" في الصين نموها المطرد خلال الربع الأول من العام، متّسمة بطابع التنمية الراقية والذكية والخضراء والمُحَدَّثة.
وقد شهد قطاع التصنيع عالي المستوى وقطاع الخدمات الحديثة توسعاً سريعاً، حيث ارتفعت القيمة المضافة لمؤسسات التصنيع عالية التقنية (التي تتجاوز حجمها المحدد) بنسبة 12.5% على أساس سنوي، مما رفع حصتها من إجمالي الناتج الصناعي للمؤسسات الكبرى إلى 16.9%، وأسهم بنقطتين مئويتين في النمو الإجمالي لهذه المؤسسات الصناعية الكبرى.
كما اكتسبت التنمية القائمة على الذكاء مزيداً من الزخم، إذ نما الناتج في القطاعات المرتبطة مباشرة بالذكاء الاصطناعي (AI) ، بما في ذلك المواد الإلكترونية والدوائر المتكاملة، بنسبتي 32.5% و49.4% على التوالي، مما يسلط الضوء على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي كمحرك للنشاط الاقتصادي.
وفي سياق متصل، يُسهم التحول الأخضر في خلق محركات نمو جديدة. فخلال الربع الأول، ارتفع إنتاج بطاريات الليثيوم أيون وتوربينات الرياح بنسبتي 40.8% و30.1% على التوالي. كما واصلت صادرات "الثلاثي الجديد"، المتمثل في المركبات الكهربائية، وبطاريات الليثيوم، والمنتجات الشمسية نموها السريع، حيث قفزت صادرات المركبات الكهربائية بنسبة 77.5%، مما يسهم في دفع عجلة التحول العالمي نحو التنمية الخضراء ومنخفضة الكربون.
وفي الوقت ذاته، تشهد الصناعات التقليدية عملية تنشيط وتجديد من خلال تحديثها المستمر، مع إحراز تقدم متسارع في مجالات تجديد المعدات والتحول التكنولوجي.
الثقة في الآفاق المستقبلية
تتمتع الصين بكل الأسباب التي تجعلها واثقة من آفاقها الاقتصادية مستقبلًا.
وفي هذا الصدد، قال ماو شنغ يونغ: "إننا نمتلك نقاط قوة مؤسسية راسخة، فضلاً عن مزايا متراكمة في مجالات الصناعة، وحجم السوق، والمواهب البشرية. ونحن قادرون تماماً على الحفاظ على أداء اقتصادي مستقر وتحقيق تنمية عالية الجودة على مدار العام".
ومع تسجيل نمو في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.0 في المائة خلال الربع الأول من العام، تواصل الصين تصدر قائمة الاقتصادات الكبرى الأسرع نمواً على مستوى العالم. ويستند هذا النمو بشكل متزايد إلى الابتكار، وتنمية "قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة"، والتوسع المتسارع في محركات النمو الجديدة.
وفي الوقت ذاته، يساهم تحسن مستويات الطلب في تهيئة ظروف مواتية، إذ ساهم الطلب المحلي بنسبة 84.7 في المائة في النمو الاقتصادي خلال الربع الأول، مسجلاً بذلك ارتفاعاً يقارب 30 نقطة مئوية على أساس سنوي. كما ارتفعت واردات السلع الاستهلاكية بنسبة 5.4 في المائة، مما يشير إلى تعافٍ تدريجي في الطلب المحلي، ولا سيما استمرار إطلاق الإمكانات الكامنة في مجال استهلاك الخدمات.
اختتم ماو شنغ يونغ حديثه قائلاً: "على الرغم من البيئة الخارجية المعقدة، فإننا نمتلك القوة والعزيمة اللازمتين لمواجهة أي مخاطر أو تحديات قد تعترض طريقنا. وتستند هذه الثقة الراسخة إلى إنجازاتنا السابقة، مما يجعلنا واثقين تماماً بشأن المستقبل".