شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي

شبكة "الحزام والطريق" للتعاون الإخباري والإعلامي>>الأخبار>>أخبار الصين

روح الابتكار، وراء التفوق الصيني في الحوسبة الفائقة

2026-07-23 16:32:53   
روح الابتكار، وراء التفوق الصيني في الحوسبة الفائقة
الحاسوب العملاق "لينغشنغ".

تصدر الحاسوب الصيني فائق السرعة "لينغشنغ" مؤخرا النسخة السابعة والستين من قائمة "توب 500" العالمية للحواسيب العملاقة، التي أُعلن عنها خلال المؤتمر الدولي للحوسبة فائقة السرعة في هامبورغ بألمانيا. ويُعد هذا النظام إنجازا بارزا، إذ جرى تطويره بالكامل باستخدام تقنيات محلية مستقلة وقابلة للتحكم الذاتي.

وبفضل أدائه المستقر الذي يتجاوز حاجز 2 إكسافلوب، أي ما يعادل مليارات المليارات من العمليات الحسابية في الثانية، واعتماده على وحدة معالجة مركزية (CPU) مطورة ذاتيا من طراز "LX2"، إلى جانب تصميم مبتكر لخزانة النظام يعتمد بالكامل على تقنية التبريد السائل، ويمثل "لينغشنغ" قمة جديدة في تطور الحوسبة فائقة السرعة في الصين.

وتُعد الحواسيب فائقة السرعة أنظمة متقدمة تضم آلاف المعالجات أو أكثر، وتتمتع بقدرة على معالجة مشكلات معقدة وهائلة لا تستطيع الحواسيب والخوادم التقليدية التعامل معها .ولم يكن الوصول إلى هذه المرحلة عملية سهلة. ففي سبعينيات القرن الماضي، اضطرت الصين إلى استيراد جهاز حوسبة متقدمة عبر قنوات متعددة في ظل شروط صارمة فرضها المورد الأجنبي، حيث كان يتعين وضع الجهاز في غرفة خوادم شفافة، مع احتفاظ المورد بمفاتيح التحكم.

ومن تلك المرحلة التي ارتبطت بقيود التكنولوجيا الخارجية، قطعت الصين رحلة طويلة من الابتكار المستقل، مرورا بسلسلة أنظمة "يينخه" و"تيانخه" و"صن واي"، وصولا إلى "لينغشنغ" الذي يتفوق بشكل شامل على أنظمة إكساسكيل العالمية الحالية.

تعتمد معظم الحواسيب فائقة السرعة الرائدة عالميا اليوم على بنية غير متجانسة تجمع بين وحدات المعالجة المركزية (CPU) ووحدات معالجة الرسوميات (GPU)، حيث يُستخدم تكديس بطاقات التسريع لتعزيز الأداء. أما نظام "لينغشنغ" فقد اختار مسارا مختلفا، إذ يعتمد بالكامل على وحدات المعالجة المركزية، مع دمج قدرات تسريع الحوسبة مباشرة داخل شريحة المعالج، مما يقلل فقدان البيانات أثناء النقل بين الرقائق، ويحقق كفاءة أعلى من خلال بنية أكثر انسيابية.

ورغم محدودية التجارب العالمية السابقة في هذا الاتجاه، فقد نجحت الصين في تطوير نهجها الخاص، مؤكدة أن الابتكار لا يقتصر على تحسين النماذج القائمة، بل يتطلب أحيانا إعادة التفكير في المسارات التقليدية.

وقد تجسدت هذه الروح الابتكارية أيضا في عدد من الإنجازات التكنولوجية الصينية خلال السنوات الأخيرة. فقد تمكن نموذج الذكاء الاصطناعي الصيني "ديب سيك" من جذب اهتمام عالمي بعد نجاحه في تجاوز قيود القدرة الحوسبية من خلال الابتكار الخوارزمي، بدلا من الاعتماد فقط على زيادة الموارد الحوسبية. كما أطلقت شركة "بي واي دي" الجيل الثاني من بطارية "بلايد" وتقنية الشحن السريع بمستوى "ميغاواط"، ما أتاح الوصول إلى مستوى شحن قابل للاستخدام خلال خمس دقائق والشحن الكامل خلال تسع دقائق.

ومن جانبها، طرحت شركة هواوي مفهوم "قانون تاو (τ)" الذي يقترح "القياس الزمني" كمسار جديد لتطوير أشباه الموصلات والأنظمة الإلكترونية. وتؤكد هذه الأمثلة أن الابتكار الحقيقي يكمن في معالجة المشكلات من جذورها وفتح آفاق جديدة، وليس فقط في اتباع النماذج القائمة أو تقليد المسارات السابقة.

ويتطلب فتح مسارات جديدة القدرة على استكشاف المجهول، بينما يضمن التكامل بين التقنيات تحقيق تطور مستدام. واليوم تدخل الحوسبة فائقة السرعة مرحلة جديدة يتداخل فيها مجالا الحوسبة عالية الأداء والحوسبة الذكية.

وعلى مستوى الرقائق، يجمع معالج "لينغشنغ" بين قدرات الحوسبة عالية الأداء وتسريع الذكاء الاصطناعي، بما يسمح للنظام الواحد بمعالجة مهام الحوسبة العلمية والاستدلال الذكي في آن واحد، ويوفر أساسا حسابيا لأبحاث علمية جديدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويُعد مستوى هذا التكامل عاملا حاسما في تحديد آفاق الابتكار المستقبلية.

ترتبط ريادة الصين في إنتاج ومبيعات مركبات الطاقة الجديدة لسنوات متتالية بالتطور التراكمي والتعاوني عبر سلسلة الصناعة بأكملها. كما أن تطوير الطائرة الصينية الكبيرة للركاب C919 لم يكن مجرد تحقيق اختراق في تقنية واحدة، بل كان نتيجة لتجاوز تحديات معقدة في مجالات متعددة، من علوم المواد وإلكترونيات الطيران إلى أنظمة التحكم.

ويحتاج الابتكار العلمي والتكنولوجي إلى نهج شامل يقوم على دمج الموارد عبر مختلف حلقات الصناعة والقطاعات، مع التطوير المتزامن للتعليم والتكنولوجيا وتنمية المواهب. فعندما تتكامل الجهود بين مختلف المجالات ومراحل التطوير، فإن النتائج تتجاوز بكثير ما يمكن تحقيقه من خلال المبادرات المنفردة.

تظل القيمة العملية الهدف الأساسي للابتكار. فمنذ دخوله الخدمة، دعم معالج "لينغشنغ" أبحاثا في مجالات تشمل علوم الغلاف الجوي والمحيطات، واكتشاف الأدوية، وعلوم المواد، وعلوم الدماغ، محولا القدرات الحوسبية إلى أدوات لحل مشكلات واقعية. وتتمثل القيمة الحقيقية للحوسبة فائقة السرعة في قدرتها على توفير دعم قوي للابتكار في مختلف القطاعات.

كما توفر منظومة "بيدو" للملاحة خدمات مهمة، من تمكين الصيادين في أعالي البحار من إرسال إشارات الاستغاثة عبر الرسائل القصيرة، إلى مساعدة الآلات الزراعية على العمل ذاتيا بدقة تصل إلى مستوى السنتيمتر. وفي المجال الطبي، دخلت مجموعة من الأدوية الصينية المبتكرة، بما في ذلك علاجات لأمراض السرطان والمناعة الذاتية والأمراض النادرة، مرحلة الاستخدام السريري، مانحة أملا جديدا للمرضى. وفي قطاع التعليم، أتاحت "الفصول الدراسية السحابية" المدعومة بتقنيات مثل الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء للأطفال في المناطق الجبلية والنائية الوصول إلى موارد تعليمية عالية الجودة. ومن خلال التركيز على آفاق العلوم والتكنولوجيا العالمية، واحتياجات التنمية الاقتصادية، والمشروعات الوطنية الكبرى، وتحسين حياة الناس، تواصل الصين دفع مسيرة الابتكار العلمي والتكنولوجي بخطى ثابتة.