![]() |
| وحدات البناء الفولاذية المعيارية وهي تشق طريقها إلى الأسواق العالمية. مصدر الصورة: شركة علوم وصناعة البناء الصينية المحدودة |
في ميناء دونغقوان بمقاطعة قوانغدونغ، تُرفع "الحاويات السريعة" تباعا، على متن سفن عملاقة عابرة للمحيطات. تبدو، من بعيد للوهلة الأولى، أنها حاويات عادية، لكن عند الاقتراب منها يتبين أن كل حاوية هي في الواقع منزل متكامل. ستجوب هذه المنازل المحيطات متجهة إلى أستراليا، وأمريكا الشمالية، والشرق الأوسط، ثم تُجمَّع هناك مثل مكعبات الليغو لتتحول إلى فنادق، وشقق سكنية، ومستشفيات.
في حي هوييانغ بمدينة هويتشو وداخل ورشة المصنع الذكي للوحدات السكنية الفولاذية الجاهزة التابع لشركة علوم وصناعة البناء الصينية المحدودة، لا يوجد غبار ولا سقالات، بل خط إنتاج آلي بالكامل يمتد لأكثر من أربعمائة متر، يدور ليلا ونهارا. وهناك، يُقسم المنزل الواحد إلى ستة أوجه، يُنتج كل وجه على خط فرعي مستقل، ثم تُجمَّع الأوجه كلها في نهاية الخط لتشكيل حاوية متكاملة، وتظل دقة البناء ثابتة في حدود الميليمتر الواحد.
سأل لي هوا كون، كبير المهندسين في مجموعة تكنولوجيا البناء الخضراء التابعة لشركة علوم وصناعة البناء الصينية المحدودة، الصحفي: "برأيك، كم تبلغ طاقة هذا الخط الإنتاجي في اليوم الواحد؟"
ثم أجاب بنفسه رافعا أصابع يده الخمسة: "خمسون وحدة سكنية، في حين أن المصانع المماثلة في أمريكا الشمالية لا تتجاوز طاقتها خمس وحدات يومياً، أي أن إنتاجنا يعادل عشرة أضعاف إنتاجهم.
وأما في حديقة التصنيع الذكي لشركة هايلونغ للبناء في منطقة لونغقانغ بمدينة شنتشن، يقف مصنع عمودي يعلو خمسين مترا ويمتد على أربعة طوابق، حيث أنه وفي هذا المكان تغيب كافة أشكال الضوضاء التي تشتهر بها ورش البناء العتيقة.
وقال وانغ تشيونغ، كبير المهندسين بشركة هايلونغ للتكنولوجيا المحدودة، وهو يشير إلى الخط الإنتاجي: "كل عشرين دقيقة تنزل منه وحدة سكنية بكامل عناصرها". كما أضاف: " 190 موقعا للعمل، وأكثر من ثمانين أداة آلية، تتضافر في سلسلة واحدة لتكوّن هذا الخط الذي يشبه خطا لخَبز المنازل، ففي بدايته يدخل إليه الرمل والحصى، وفي نهايته تخرج البيوت الجاهزة.
وفي هذا المكان، دُشن خط الإنتاج الذكي المرن الأول من نوعه في العالم للبناء المعياري المتكامل الخرساني، ليُسقط بذلك عائقا صناعيا طويلا كان يعوق التدفق المتواصل للوحدات الخرسانية. وتقبع مواد التشطيب داخل مستودع آلي شاهق كعمارة من عشرة أدوار، بينما تنساب في المصنع حوالي مائة مركبة روبوتية، تتوزع حسب إيقاع الإنتاج وكأنها قلبه النابض. وفي الوقت نفسه، تلتقط روبوتات كشف الأعمال الخفية صورا ليزرية داخل الوحدة، لتعيد تشكيلها هندسيا بأبعادها الثلاثة، فلا يفلت أي خطأ ميليمتري من قبضة النظام.
ويُضيف وانغ تشيونغ: "أكثر من سبعين بالمئة من عمليات البناء نُقلت إلى أروقة المصانع، فانخفض زمن الإنجاز بأكثر من ستين بالمئة". ويُقدر العطاء السنوي لهذا الخط بما يتراوح بين عشرين ألفا وثلاثين ألف وحدة خرسانية جاهزة.
وللبيوت الجاهزة ثلاث هيئات رئيسة: الفولاذية، والخرسانية، والخشبية. وتبرز الميزة النسبية للشركات الصينية في القسمين الأولين: الفولاذ والخرسانة. وهذا المسار التقني المزدوج يمنح الصناعة الصينية في سوق العالم متسعا أرحب للمناورة والمرونة.
بمعيار الصناعة، ودقة الرقمنة، وكفاءة الأتمتة، صارت البيوت تخرج من المصانع لا من موقع البناء، وأصبحت تُصنع لا تُبنى.
وفي نيو ساوث ويلز بأستراليا، تتعاقب "الحاويات السريعة" في وصولها، قادمة من ميناء دونغقوان الصيني، وسرعان ما ينهض المبنى السكني كأنه يولد لحظة بلحظة.
البناء التقليدي يبدأ بالأساسات، ثم السقالات، فالجدران، فالتلييس، فالتشطيبات، لكن الصورة هنا تبدو مغايرة تماما. فـ"الحاويات السريعة" تصل محملة بهيكل الغرفة، وجدرانها، ونظام الكهرباء، وشبكة المياه، وزخرفتها الداخلية، كلها قد أُنجزت في المصانع الصينية. وما يُفعَل في الموقع بعد ذلك ليس إلا تركيبا.
يقول لي هوا كون في وصفه: "الأمر أشبه بتركيب قطع الليغو."
من لحظة وصول "الحاويات السريعة" إلى أرض المشروع، وحتى استكمال الهيكل الرئيسي، لا تمضي غير أشهر معدودة. وأما مشروع مماثل بالحجم يُنفذ بالطريقة التقليدية في أستراليا، فمدته المعتادة عامان ونصف.
في المشاريع التقليدية بأستراليا، تتراوح أجور العمال بين ثلاثين وأربعين بالمئة من التكلفة الكلية. أما البناء المعياري فيحول الجزء الأكبر من الأعمال إلى مصانع الصين، مما يوفر بذلك أكثر من نصف العمالة في الموقع، ويختصر أكثر من نصف مدة التنفيذ. ويخلص لي هوا كون إلى القول: "التكلفة الإجمالية تنخفض بأكثر من عشرة في المئة!"
غير أن الأهم من ذلك كله هو الجودة. فدقة المصانع الذكية تفوق بكثير العمل اليدوي في الموقع، ويتم إخضاع كل وحدة قبل مغادرتها المصنع لسلسلة من الفحوصات الشاملة على امتداد مراحل الإنتاج. وعندما تصل إلى موقع البناء، تُركب الوحدات بانتظام ودقة متناهية، وكأنها قطعة واحدة لا فاصل فيها ولا فجوة.
في دبي، حيث تشكل معايير البناء والتشريعات الهندسية مرجعا للشرق الأوسط، ظل نظام الموافقات مبنيا على تقنيات الخرسانة التقليدية المصبوبة في الموقع، ولم يسبق أن حصل أي مشروع من نوع البناء المتكامل المعياري متعدد الطوابق على ترخيص. ويضيف وانغ تشيونغ: "في عام 2025، حصلنا من بلدية دبي على أول موافقة مبدئية من نوعها للبناء المتكامل المعياري". وقد حرصت هايلونغ على تكييف المشروع مع المعايير الأميركية ومعايير دبي المحلية، واستكمال جميع الحسابات الهندسية، ونقل الدروس المستفادة من مشاريعها الصينية إلى وثائق تقنية تتناسب مع البيئة المحلية. وهذه الموافقة ليست مجرد ترخيص، بل علامة فارقة على انتقال الصناعة الصينية من مرحلة "الانطلاق من المعايير الدولية" إلى مرحلة "الاندماج الفعلي فيها".
ويوضح جيانغ لي، نائب المدير العام لشركة علوم وصناعة البناء الصينية المحدودة، أن "العملاء في الأسواق الخارجية يركزون على ثلاثة عناصر أساسية: جودة المنتج النهائي، وسرعة إنجازه، وقيمة كلفته الإجمالية". وبما أن البناء الصيني يستند اليوم إلى منظومة متكاملة من الروبوتات، والمصانع الرقمية، والمواد الخضراء والصديقة للبيئة، فإنه قادر على تلبية هذه المطالب الثلاثة في وقت واحد، مما يمنحه ميزة تنافسية فريدة في السوق العالمية.
ووراء هذا النجاح كله تقف أضخم سلسلة إمدادات في عالم البناء وأكثرها شمولا، من الحديد المسلح والخرسانة، إلى تجهيزات الحمامات والأجهزة الكهربائية، فلا تكاد تنقصك قطعة أو جزء إلا وجدته في الصين في لمح البصر. بل إن سلامة الهياكل أثناء الإبحار قد أُدرجت بدورها ضمن تصاميم خاصة تُوضع لكل مشروع على حدة.
ويقول وانغ تشيونغ: "البناء المعياري يمثل طاقة إنتاجية متجددة لقطاع البناء". ويؤكد: لقد أنجزنا في الخطوة الأولى التصنيع الصناعي، إلى جانب الإدارة الشاملة المدفوعة بالبيانات. أما في المرحلة المقبلة، فلنا ثقة راسخة بأن تقنيات الصين في البناء المعياري ستغدو محركا رئيسيا لتحول صناعة البناء العالمية نحو النمط الصناعي الحديث.