شهدت القاعة العامة بمقر منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) في العاصمة الإيطالية روما، في الآونة الأخيرة، تصفيقًا حارًا احتفاءً بامرأة صينية. وعلى الشاشة الكبيرة في القاعة، عُرضت لقطات من فيلم وثائقي قصير يروي قصة جهود مكافحة التصحر التي امتدت لأكثر من 40 عاماً. وما إن صعدت بطلة القصة، يين يوتشن، إلى منصة التحدث، حتى وقف الحضور مصفقين لها.
جرت هذه اللحظة المؤثرة خلال حفل توزيع جوائز مبادرة "100 امرأة بطلة في نظم الأغذية والزراعة والتنمية الريفية"، التي أطلقتها منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو). وقد تم اختيار 100 امرأة من بين 609 مرشحات قدّمتهن 131 دولة عضواً في المنظمة. ومن بين المكرّمات، برزت ثلاث نساء من الصين، وهن: يين يوتشن، ودونغ مين فانغ، ويو جين شيو، وهو أكبر عدد من النساء يتم اختيارهن من دولة واحدة.
رسخت ثلاث نساء صينيات جذورهن في مناطقهن الأصلية، حيث أثمرت جهود كل منهن بطريقتها الخاصة. فعلى مدى أكثر من 40 عاماً، ظلت يين يوتشن ملتزمة تجاه صحراء موأوس، حيث عملت بيديها على كبح زحف الرمال. أما دونغ مين فانغ فقد تخلت عن وظيفة ذات دخل مرتفع لتعود إلى موطنها وتركز على إنتاج الحبوب، ومن خلال دعمها لميكنة الزراعة، ساعدت المزارعين على زيادة دخلهم وتحقيق الرخاء. ومن جانبها، كرست يو جين شيو أكثر من عقدين من الزمن لممارسة علاج الكي الخاص بمنطقة تشيتشون، وهو تراث ثقافي غير مادي على المستوى الوطني، حيث دربت أكثر من 30 ألف عامل، وساهمت في توسيع نطاق صناعة نبات الشيح المتخصصة، وخلق فرص عمل جديدة لفئات متنوعة، شملت النساء والأشخاص ذوي الإعاقة.
وفي حفل توزيع الجوائز، صرّح تشو دونغ يو، المدير العام لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، بأن المرأة تمثّل قوة دافعة حيوية داخل النظم الغذائية الزراعية، وتؤدي دوراً لا غنى عنه في ضمان الأمن الغذائي، وإدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز التنمية الريفية، وتقوية قدرة المجتمعات على الصمود. وفي سياق الصين، تجد هذه الملاحظة تجسيداً واقعياً ملموساً وواضحاً.
وفي مسيرة الصين الكبرى نحو القضاء على الفقر وتحقيق النهضة الريفية، لا تُمثّل المرأة محوراً أساسياً للدعم فحسب، بل تُعدّ أيضاً قوةً لا غنى عنها. فمن بين ما يقرب من 100 مليون شخص انتُشلوا من براثن الفقر، تشكّل النساء نحو نصف هذا العدد. وتشير بيانات اتحاد عموم الصين للنساء إلى أنه في عام 2023، مثّلت النساء أكثر من 50% من القوى العاملة في قطاع الزراعة الأسرية، بل إنهنّ أمضين، في المتوسط، وقتاً أطول من الرجال في العمل ضمن مزارعهنّ العائلية. ويُعدّ عملهنّ في الحقول برهاناً ساطعاً على الثقل الكبير الذي يمثله "النصف الآخر من السماء".
تكمن وراء هذه الإنجازات المبهرة بنية مؤسسية قوية ومستدامة. فبحلول نهاية عام 2020، قدمت الصين برامج تدريب على المهارات لما مجموعه 10.21 مليون امرأة من الفئات الفقيرة، بالإضافة إلى قياديات نسائيات في المجتمعات المحلية. وقد تمكنت أكثر من 5 ملايين امرأة من الخروج من دائرة الفقر عبر الانخراط في قطاعات متنوعة، تشمل زراعة المحاصيل، وتربية الماشية، والحرف اليدوية، والخدمات المنزلية، والتجارة الإلكترونية. وعلاوة على ذلك، تم منح قروض صغيرة ميسرة ومضمونة بقيمة إجمالية تجاوزت 450 مليار يوان لدعم جهود التخفيف من حدة الفقر، مما أتاح لـ 8.7 مليون امرأة تأسيس مشاريعهن الخاصة وزيادة دخولهن. لقد تحولت أعداد لا تحصى من النساء في المناطق الريفية من خلال أنشطة متنوعة، بدءاً من غرس الأشجار ومكافحة التصحر وصولاً إلى الزراعة وريادة الأعمال، من أفراد يعيشون في ظروف صعبة إلى رائدات في خلق الثروة. وبذلك، لم يقتصر أثرهن على تغيير مصائرهن الشخصية فحسب، بل ساهمن أيضاً في إضفاء زخم دائم على مسيرة التنمية في قراهن. وينص "المخطط العام لتنمية المرأة الصينية (2021–2030)" على التنفيذ المعمق لبرنامج يهدف إلى تعزيز كفاءات النساء الريفيات والارتقاء بقدراتهن، دعماً لمشاركتهن الفعالة في تحديث القطاع الزراعي والمناطق الريفية. كما تتواصل المبادرات السياساتية التي تهدف إلى ترسيخ الأسس اللازمة لحماية حقوق ومصالح النساء في المناطق الريفية.
تحظى ممارسات النساء الريفيات في الصين باهتمام واعتراف متزايدين من جانب المجتمع الدولي. فمن خلال نقل خبراتهن الأصيلة التي اكتسبنها في حقولهن ومزارعهن إلى المحافل الدولية، يقدمن للعالم صورة حية عن جهود الصين في مجالي الحد من الفقر وإنعاش المناطق الريفية. وما يطرحنه على الساحة العالمية ليس مجرد قصة صينية، بل هو نهج صيني قابل للتطبيق في سياقات أخرى، وهو نهجٌ يقدّم دروساً قيّمة للدول النامية الأخرى، ويسمح لهذه الحلول الصينية النابعة من الداخل بأن تجد صدىً أوسع ضمن أجندة التنمية العالمية.
وقوف ثلاث ممثلات صينيات على منصة التكريم التابعة للأمم المتحدة لا يمثل مجدًا شخصيًا لهن فحسب، بل يجسّد أيضًا صورة مصغّرة لملايين النساء الصينيات اللواتي يرسّخن جذورهن في الأرياف ويسهمن في تنميتها. وعلى امتداد الأراضي الصينية الشاسعة، تواصل "قوة المرأة" مسيرة الكفاح والعطاء، وترسم فصولًا جديدة من قصة المرأة الريفية الصينية.