على مشارف مدينة لاسا بشيتسانغ، يقف صرحٌ ضخم بُني على الطراز المعماري التبتي الأصيل وسط أحضان الجبال. وهو مركز البيانات الذي تديره "مجموعة شيتسانغ نينغسوان للتكنولوجيا"، بطاقة استيعابية إجمالية تبلغ 140 ألف خزانة من الخوادم.
في داخل غرف الخوادم، لا يُسمع الصخب المعهود لوحدات التكييف، ومع ذلك يظل الهواء منعشا وباردا. فأين يكمن السر؟
يُجيب تاو تشانغ جون، نائب رئيس شركة "نينغسوان للتكنولوجيا" عن هذا السؤال، قائلا: " تُعدّ مراكز البيانات من أكبر مستهلكي الطاقة، إذ يُنفق جزء كبير منها على أنظمة التبريد. أما في شيتسانغ، فنستطيع توظيف ما نُسمّيه 'طاقة الهواء الجاف' الفريدة المميزة للهضاب المرتفعة لخفض درجات الحرارة داخل غرف الخوادم، مما يُحقق توفيرا في الطاقة ويُقلص الانبعاثات." ويُضيف بأنه مقارنة بمناطق الهضاب الأخرى كيوننان وقويتشو، يتسم هواء هذه المنطقة بجفاف أكبر، في حين يبقى متوسط درجة الحرارة السنوية أقلّ بكثير من باقي المناطق القاحلة في الصين.
وتُمثّل "درجة حرارة البصيلة الرطبة" المقياس الرئيسي لتحديد كمية هذه الطاقة، إذ تشير إلى أدنى درجة حرارة يمكن بلوغها عبر عملية التبخر وحدها. وفي لاسا، تنخفض هذه الدرجة خلال أشهر الصيف انخفاضا ملحوظا مقارنة بسائر المناطق.
ويوضح تاو هذ المبدأ التقني بقوله: "إن تسخير طاقة الهواء الجاف يعني تعظيم تأثير التبريد عبر التبخر، مما يُحدث فروقا في الضغط ناجمة عن تدرجات الحرارة، ويُيسّر التهوية الطبيعية."
وانطلاقا من هذا المبدأ، طوّرت الشركة نظاما متخصصا يُمكّن مركز البيانات من الاستفادة القصوى من التهوية الطبيعية لطرد الحرارة بسرعة وفاعلية، محققة تخفيضا في إجمالي استهلاك الطاقة بنسبة تقارب 30%.
المبدأ بسيط، غير أن تطبيقه العملي ليس بالأمر السهل. إذ تتطلب مراكز البيانات الحفاظ على درجات حرارة ثابتة، ما يستلزم تحكما دقيقا في معدل تبخر الماء داخل النظام، وفروق درجات الحرارة داخل مركز البيانات وتدفق الهواء، بما يضمن الحد الأدنى من التقلبات الناجمة عن تغيرات الطقس.
ولمعالجة هذه المشكلة، صممت شركة نينغسوان للتكنولوجيا، بالتعاون مع جامعة شيآن للهندسة، خوارزمية لمطابقة الحرارة. ومن خلال تحسين تصاميم آلية تدفق الهواء ودورة تبخر الماء، تم رفع الكفاءة الحرارية للنظام إلى أقصى حد، بما يضمن استقرار درجات حرارة مركز البيانات على مدار العام.
كما واجه بناء الخوادم تحديات، حيث يتذكر تاو تشانغ جون أن الخوادم الأولى صُممت وصُنّعت في مقاطعات أخرى قبل نقلها إلى لاسا. في البداية عملت بشكل طبيعي، غير أنها سرعان ما بدأت في الإبلاغ عن أعطال.
فلماذا ظهرت هذه المشكلة لدى شركة مصنّعة تبدو راسخة في المجال؟
وبعد دراسة متأنية، تبيّن أن المشكلة تكمن في أنه، على الرغم من تعديل المعدات لتناسب ظروف الارتفاعات العالية من حيث الماء والحرارة وانخفاض الضغط، فإن بعض الخصائص المناخية الفريدة للهضبة لم تُؤخذ في الحسبان. وفي هذا الصدد، علّق تاو تشانغجون قائلا:"يؤدي الإشعاع فوق البنفسجي الشديد في المرتفعات العالية إلى تسارع تهرية المعدات، مما يشكّل خطرا كبيرا على الأنظمة التي تتطلب تحكما دقيقا".
وعلى إثر ذلك، أطلق الخبراء التقنيون جولة جديدة من الأبحاث التقنية. ومن خلال تحسين أنماط تشغيل المعدات واستخدام حشوات من البوليمرات المركبة المصنوعة من الألياف الاصطناعية، جرى تعزيز استقرار وسلامة المعدات العاملة في المرتفعات العالية بشكل فعّال.
وإلى جانب الاعتبارات الاقتصادية، يتطلب بناء مركز بيانات على الهضبة مراعاة الجوانب البيئية أيضا. فأين يذهب الهواء الساخن المنبعث؟ وهل ستكون له تأثيرات على البيئة المحيطة؟ للإجابة عن هذه التساؤلات، اعتمد مركز البيانات نظام استعادة الحرارة.
وبجوار مركز البيانات، أُنشئت دفيئة ضخمة تحافظ على مناخ ربيعي طوال العام. وتُدفأ هذه الدفيئة بالحرارة المستعادة، ويمكن استخدامها لتربية أسماك المياه الدافئة وللزراعة.
وقال جيانغ نينغ، رئيس شركة نينغسوان للتكنولوجيا: "بفضل التقنيات المبتكرة، يمكن تحويل المزايا الطبيعية في شيتسانغ إلى مزايا تجارية. ومن المتوقع أن يتمكن مركز البيانات في المستقبل من 'بيع الكربون' و'بيع الحرارة'".