حقق الفيلم الصيني "مرحبا بكم في مطعم التنين" نجاحا لافتا في قاعات العرض، حيث لامست قصته المؤثرة مشاعر الجماهير داخل الصين وخارجها.
وخلال إقامتي وعملي في الشرق الأوسط لسنوات، صادفتُ العديد من المطاعم الصينية التي رسخّت أقدامها وسط المجتمعات المحلية منذ عقود، وأسهمت عبر أطباقها اللذيذة في نقل "النكهة الصينية" إلى العالم.
ويبنع رواج المطاعم الصينية من ثراء التبادل الحضاري بين الصين وشعوب الشرق الأوسط. ففي "مطعم التنين الذهبي" بدبي، العامل منذ عام 1976، يتميز الديكور بنمطه الصيني التقليدي، بينما ينتمي الطهاة وطاقم الخدمة إلى جنسيات متنوعة اختاروا العمل هنا سواء بعد فترة تدريب على يد مشرفين صينيين أو بدافع شغفهم بالثقافة الصينية.
ومن "دجاج كونغ باو" إلى "دجاج جياوهوا"، تُعد هذه الأطباق المنزلية نوافذ تتيح للشعوب العربية فهم الصين. وفي متجر المعكرونة الذي يديره هادي، مدوّن الطعام المقيم في دبي، يعكس جدار مزين بعيدان الطعام جماليات المائدة الشرقية.
ويجمع الشرق الأوسط والصين، بصفتهما مهدي حضارتين عريقتين، تقليدٌ راسخ من التقدير المتبادل، يجسده المثل العربي "اطلبوا العلم ولو في الصين". وتمثل هذه المطاعم محطات ثقافية في الأحياء المحلية، تحوّل الثقافة التقليدية إلى تجارب يومية ملموسة، فيتجذر التقارب الثقافي بهدوء عبر وجبات بسيطة.
وتتجلّى مشاعر الدفء التي تبعهثا المطاعم الصينية في الشرق الأوسط في العديد من اللحظات الحاسمة. ففي عام 2011، كنت أنقل الأخبار من طرابلس الليبية أثناء غارات حلف الناتو، وظل مطعم صيني اسمه "مانيي-دي" مفتوحا وسط الفوضى ليقدم وجبات لأقل من عشرين صينيا آثروا البقاء. وقامت صاحبة المتجر، وهي من مقاطعة تشجيانغ، برفقة أطفالها في عدّة مرات من تحدي أصوات الرصاص لتوصيل طبق "نودلز الأرز المقلية مع اللحم البقري" إلى أبناء وطنها، فأصبح ذلك المذاق ذكرى لا تُنسى.
وبالنسبة للصينيين في الخارج، لا تعدّ هذه المطاعم مجرد أماكن لسد الجوع، بل ملاذ وحنين للوطن، رسخت فيها أجيال جذورها وسعت نحو حياة أفضل.
ويعكس الانتشار العالمي للمطبخ الصيني مسيرة التنمية الصينية ذاتها. ففي عام 2024 افتُتحت مدينة ويمارت للأطعمة في الرياض، وتشير الجهة المشغلة إلى أن المنتجات الطازجة القادمة من الصين تصل إلى الموائد السعودية في يوم واحد. كما باتت مزرعة صحراوية محلية مساحتها 350 مو تنتج خضروات تلبي معظم احتياجات السوق المحلية بفضل الري الموفر للمياه وتقنيات سلسلة التبريد.
انتشار المطبخ الصيني في الخارج ليس إلا مثال واحد على اتجاه أوسع. ففي دبي اليوم تغطي خدمة "كيتا" التابعة لـمنصّة "ميتوان" الصينية المدينة بأكملها، وتوفر خدمات منصة "علي إكسبرس" توصيلا خلال ثلاثة أيام. كما تم إطلاق خدمة القيادة الذاتية "أبولو غو" التابعة لـ"بايدو" عبر المنصات المحلية.
ومن روائح الشوارع، إلى مواقد المطابخ التي لاتخمد حتى أثناء الأزمات، وصولا إلى خضروات مزارع الصحراء، يجسد كل عنصر جاذبية الثقافة الصينية وحيويتها، ويعكس إنجازات الصين التنموية التي تعود بالنفع على العالم، في قصة حية عن التفاهم المتبادل بين الحضارات والتنمية المشتركة.